رواد مسلم

الذخائر العنقودية بين القانون الدولي الإنساني والأهمية العسكرية

4 دقائق للقراءة
معدّل الإخفاقات في الذخائر العنقودية الأميركية أقل من 2.5 في المئة (أ ف ب)

لم يسفر الهجوم الأوكراني المضاد، الذي بدأ في أيار الماضي، عن تحقيق نتائج ترضي الغرب بعدما مدّ كييف بالكثير من الأسلحة والمساعدات العسكرية والمالية، ففي الوقت الذي قوبل فيه الهجوم الأوكراني المضاد بدفاعات روسية أكثر صرامة من المتوقّع، تجرّأت إدارة بايدن، الدّاعم الأوّل لكييف عسكرياً في الحرب، على إصدار قرار تزويد أوكرانيا بالذخائر العنقودية، واعتبره الرئيس الأميركي قراراً صعباً لما يمكن أن تتسبّب به حالات الإخفاق من مقتل مدنيين.

القنابل العنقودية أسلحة تقليدية محرّمة بموجب معاهدة دولية، وهي تتكوّن من عبوة ينطلق منها عدد كبير من القنابل الصغيرة في الهواء، وتستخدم للهجوم على أهداف مختلفة، مثل العربات المدرّعة أو الأشخاص، أو لإضرام الحرائق، ويمكن أن تغطّي هذه القنابل الصغيرة الموجودة داخلها منطقة كبيرة، حيث يتمّ قذفها من ارتفاعات متوسطة أو عالية، بما يزيد احتمالات انحرافها عن الهدف لعدّة أسباب، منها سرعة واتجاه الهواء، لذلك تفتقر إلى التوجيه الدقيق، وبسبب ذلك، فمعدّل فشلها كبير جدّاً، حيث إن كثيراً منها لا ينفجر ولكن يستقرّ في الأرض كألغام قد تنفجر بعد سنوات، ما يشكل خطراً كبيراً على المدنيين.

القنابل العنقودية الأميركية التي سيتمّ إرسالها إلى أوكرانيا أكثر أماناً بكثير من تلك التي تستخدمها روسيا في الصراع، إذ إن معدّل الإخفاقات في الذخائر العنقودية الأميركية أقل من 2.5 في المئة، مقابل معدّل إخفاق يتراوح بين 30-40 في المئة في الذخائر العنقودية الروسية.

لا يحظّر القانون الدولي الإنساني استخدام تلك الذخائر، إنّما وضع ضوابط حول كيفية استخدامها، مثل تحديد المنطقة الجغرافية على الخرائط حيث ستسقط فيها هذه القنابل للتمكّن من إزالتها مع انتهاء الأعمال الحربية، وتحديد حدود تلك المنطقة على الأرض إذا أمكن، لكن هذه المهمّة صعبة كون القنابل الصغيرة يمكن أن تنحرف بفعل الرياح لتسقط في مناطق أخرى. لكنّ ضرب المدنيين بهذه الأسلحة قد يرقى إلى اعتباره «جريمة حرب» بموجب القانون الدولي الإنساني.

أمّا المعاهدة الدولية التي حظّرت على الدول الأعضاء استخدام الذخائر العنقودية وتصنيعها وتخزينها وتصديرها، فاعتمدت في مؤتمر ديبلوماسي انعقد في دبلن بأيرلندا في أيار 2008، وتعدّ هذه الاتفاقية إضافةً مهمةً إلى القانون الدولي الإنساني، فهي ترسي قواعد جديدة لكفالة ألا تستخدم الذخائر العنقودية بعد ذلك، وأن يُعالج ما يرتبط بهذه الأسلحة من مشكلات إنسانية قائمة، وتلزم هذه المعاهدة الدول الموقّعة عليها، التي يبلغ عددها 123 حتى الآن، عدم استخدام الذخائر العنقودية إلّا للتدريب وتفجير مخزونها من هذه الذخائر بمهلة 8 سنوات، لكن الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا لم توقّع بعد على هذه الإتفاقية.

جاء هذا القرار بعد وضوح صعوبة نجاح الهجوم الأوكراني المضاد، إذ لم يتمكّن حتى من الوصول إلى الخطوط الأولى للدفاعات الروسية الرئيسية حتى الآن، فضلاً عن نقص في الذخائر الأوكرانية، وستقدّم الذخائر الأميركية مساعدة كبيرة لهذا الغرض، حيث ستوفر الذخائر العنقودية نسبة قتل أعلى لكل قذيفة، مقارنة مع القذائف التقليدية، ما يعني طلقات أقلّ لإنجاز المهمة نفسها للتغلّب على الخنادق الروسية، وستستخدم من خلال مدافع «هاوتزر» 155 ملم المقدّمة من الولايات المتحدّة، إضافةً إلى إمكانية استخدامها جوّاً بواسطة الطائرات الحربية أو من الراجمات الصاروخية.

ما هو غير معروف حتى الآن، هو نوعية القنابل العنقودية التي ستقدّم من الولايات المتّحدة وما هي عدد القنابل الصغيرة داخلها، فإنّ آثارها عسكرياً تختلف باختلاف أنواعها. فيمكن أن تكون بالحدّ الأقصى 400 قنبلة صغيرة وتغطي مساحة أقصاها 200 متر في العرض و400 بالطول، وذلك إذا تمّ تفجير القنبلة الرئيسية الحاوية فوق الهدف بـ1000 متر، وطريقة تفجير القنابل الصغيرة المتنوّعة، فهناك النوع التوقيتي الذي ينفجر في الجوّ ليبعثر انفجاره الشظايا الصغيرة ويصل عددها إلى 300 شظية لكل قنبلة صغيرة ويستعمل هذا النوع ضدّ الأفراد، وهناك النوع الصادم الذي ينفجر عند اصطدامه بالأرض، وهو يستخدم ضد الآليات الخفيفة التدريع مثل آليات النقل اللوجستي ونقل العناصر، وهناك النوع التأخيري الذي ينفجر بعد وقت محدّد من اصطدام القنبلة الصغيرة بالهدف ويستخدم ضدّ المدرّعات.

هذه الذخائر وإن تمّ إطلاقها على المناطق الأوكرانية المحتلّة، لن تعيق الجيش الروسي الذي يريد البقاء فيها فقط، فهي ستعيق تقدّم الجيش الأوكراني في هجومه المضاد، بعد طرد الجيش الروسي، واستخدامها يقدّم عاملاً إضافياً لتعقيد الحرب. لكنّها تقدّم خدمة إيجابية للجيش الأوكراني في هذه المرحلة من الهجوم المضاد لتصديع الدفاعات الروسية الضخمة، وفي مرحلة نقص المخزونات الأوكرانية من الصواريخ.