جوزيف حبيب

هايتي... صورة مرعبة عن "نهاية العالم"!

4 دقائق للقراءة
تغرق هايتي في الفساد والفقر والبؤس والنكبات الصحية والتربوية (أ ف ب)

لا يبرز اسم دولة هايتي الفقيرة الواقعة في منطقة البحر الكاريبي، عالميّاً، إلّا عند حصول الكوارث الطبيعية والمآسي الإنسانية. فقد تصدّرت هايتي عناوين الصحف بعد زلزال 12 كانون الثاني 2010 التاريخي الذي أودى بحياة نحو 220 ألف شخص، لتعود إلى الواجهة مجدّداً وسط عاصفة «كوفيد» مع اغتيال رئيسها جوفينيل موييس داخل منزله في 7 تموز 2021 على يد مقاتلين مرتزقة في غَمرة الخلافات الدستورية والسياسية العميقة، بينما تخطو البلاد في أيّامها الرديئة الحالية خطى مريعة نحو آتون «حرب أهلية».

للمفارقة، أضحت هايتي أوّل جمهورية سوداء مستقلّة عام 1804، بعد تمرّد للعبيد بقيادة «النابوليون الأسود» توسان لوفرتور، لكنّها اختتمت «أفراحها السياسية» عند نجاح ثورة شعبية باطاحة الديكتاتور جان كلود دوفالييه (بيبي دوك)، وريث الديكتاتور فرانسوا دوفالييه (بابا دوك)، عام 1986 ونفيه إلى فرنسا. بدأ نفوذ العصابات بالتعاظم حتّى قبل تصفية موييس، لتصل اليوم إلى ذروة قوّتها مع سيطرتها على مساحات شاسعة من البلاد، حيث تتعمّم «شريعة الغاب».

وبعد أيام معدودة من ذاك النهار الدموي الحار من تموز، صدرت دعوات ما زالت تتكرّر على لسان مسؤولين هايتيين لإرسال قوات أجنبية إلى البلاد لتأمين المواقع الاستراتيجية وضبط الأمن، بيد أن تلك النداءات لم تلقَ الاستجابة المطلوبة، على الرغم من «الزيارة التضامنية» للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى العاصمة بور أو برنس مطلع هذا الشهر، إضافةً إلى سعي الولايات المتحدة أخيراً لإنشاء قوّة شرطة دولية لإرسالها إلى هايتي، مع رفض واشنطن في الوقت عينه ترؤس مثل هكذا قوّة حتّى اللحظة.

باشر مجلس الأمن الدولي تحرّكه على خطّ الأزمة الهايتية، حيث بحث نهاية الأسبوع الماضي في إمكانية دعم قوّة متعدّدة الجنسيات غير تابعة للأمم المتحدة أو عملية حفظ سلام محتملة، في وقت تخرج فيه الأمور عن السيطرة بشكل دراماتيكي مع ارتفاع معدّلات الجرائم، في ظلّ بروز حركات الدفاع الذاتي في مدن البلاد وقراها لمواجهة بطش العصابات المنظمة.

ومع ارتسام علامات استفهام حول شرعية رئيس الوزراء آرييل هنري وعلاقته المحتملة بقتل الرئيس السابق، بالتوازي مع انهيار هيبة المؤسّسات الشرعية وتفكّك أوصال الدولة التافهة، تشهد البلاد جرائم قتل واغتصاب وعمليات نهب واسعة وتهريب الأسلحة والمخدّرات بشكل يومي، الأمر الذي دفع بالضحايا وأهاليهم وبعض السكّان إلى تحقيق العدالة بأيديهم عبر مطاردة أفراد العصابات والقبض عليهم وإعدامهم علانية بأساليب وحشية متعدّدة كالتي يتعرّضون لها، بينها الضرب والرجم والحرق... وقطع الرأس!

أصبحت هايتي صورة مصغّرة مرعبة عمّا ستكون عليه الأحوال في «نهاية العالم». وبحسب شهود عيان، غدت مشاهد القتل والاغتصاب عادية حتّى في وضح النهار في شوارع العاصمة المنكوبة بور أو برنس، حيث سقطت معظم مناطقها أمنيّاً بمخالب العصابات التي حوّلت شوارعها إلى ساحات حرب حقيقية، في حين تغرق هايتي في الفساد والفقر والبؤس والنكبات الصحية والتربوية، وسط مؤشّرات اقتصادية واجتماعية خطرة للغاية.

وتتراكم هذه القصص المأسوية فيما تعجز أجهزة إنفاذ القانون عن القيام بالحدّ الأدنى من واجباتها، فضلاً عن غياب أبسط الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وإنترنت واتصالات... عن مناطق مختلفة. يدفع الهايتيون الصالحون الآن أثماناً باهظة بسبب مسار طويل من غياب الوعي الثقافي والسياسي لدى شريحة هائلة من مواطنيهم الذين أوصَل انحطاطهم الفكري والقيمي والأخلاقي البلاد إلى الحضيض.

كما يُعانون من تجاهل القوى الخارجية لمعضلتهم المستفحلة، وتلكؤها عن التدخّل المباشر لعدم وجود أي مصلحة استراتيجية أو حيوية لها للقيام بذلك، أقلّه حتّى الساعة. فما الذي سيُسرّع في تدخّل القوى الفاعلة لإعادة النظام والهدوء إلى شوارع هايتي؟ هل تدفع موجات الهجرة غير الشرعية نحو أميركا الشمالية، واشنطن وأوتاوا، إلى تسريع حراكهما الديبلوماسي لتأمين غطاء لقوّة دولية أو أممية للتدخّل هناك؟ أم تطول «لعنة الفوضى» و»تسكن» هايتي إلى أجل غير مسمّى لتتحوّل إلى «مذبحة أهلية»؟