على مدار 6 سنوات متتالية، احتلت فنلندا المرتبة الأولى كأسعد بلد في العالم، وهنا يتبادر إلى الأذهان أسئلة من قبيل كيف حقق الفنلنديون ذلك بطريقة صحيحة، وكيف استمروا؟ يمكن أن يُعزى السبب في ذلك إلى فلسفة سيسو (Sisu)، وهو مفهوم وطريقة حياة متجذرة في الثقافة الفنلندية لما يربو على 500 عام.
والكلمة ليس لها ترجمة مباشرة، لكنها تركز على العزيمة والثبات، وتتعلق بامتلاك الجرأة للمضي قدماً في مواجهة الشدائد والاحتمالات شبه المستحيلة.
تقول خبيرة علم النفس الدكتورة إليزابيث لاهتي، إنها بعد أن عاشت في فنلندا معظم حياتها، أصبح لديها قناعة أن هذا المفهوم يلعب دوراً مهماً في رفاهيتهم وقدرتهم على الحفاظ على هذه العقلية التي تتسم بالإيجابية والمرونة.
وأشارت إلى أنها كرست حياتها المهنية لتعليم الناس كيفية دمج هذا المفهوم في الحياة، وهذه بعض نصائحها:
البحث عن هدف أكبر وأسمى
وفقاً لبحث أجرته عالمة النفس أنجيلا داكويرث، فإن قوة تحملنا تكون أكبر بكثير عندما نعمل من أجل هدف أكبر من ذواتنا. لدراسة هذه الفلسفة بشكل أكثر عمقًا، أكملت إليزابيث رحلة استكشافية بطول 1500 ميل عبر نيوزيلندا، وقد كرست رحلتها لزيادة الوعي بالعنف الأسري ونتائجه.
وكانت في كل مرة ينتابها الشعور بالإرهاق أو يساورها الشعور بالاستسلام، يكون هذا الهدف الأكبر بمثابة الحافز الذي يدفعها للمضي قدماً. لذا عندما يواجه المرء تحدياً جديداً أو يكون بحاجة إلى القوة للاستمرار، يجب عليه البحث عن هدف أكبر للسعي لتحقيقه.
زيادة المرونة بالتدريب المتواصل
كانت إليزابيث تتدرب قبل السباق كل يوم تقريباً لمدة عامين، وكانت تواظب على الجري مهما كانت الظروف أو حالة الطقس سواء كان ممطراً أو مشمساً. بمرور الوقت، انتقلت إليزابيث من مُبتدئة إلى تسجيل مسافة 10 إلى 15 ميلًا في اليوم. ويُفهم من ذلك أن التدريب والمران يجعلان من السهل تسخير طاقتنا الداخلية. إذ تشير الدراسات إلى أن أجسامنا لديها احتياطيات خفية تعتمد عليها بشكل طبيعي عندما نكون في أمس الحاجة إليها. لذلك كلما تحدينا أنفسنا أكثر، زاد تبنينا للعادات التي تعزز من قدرتنا على الصمود.
الترفق بالنفس والتواصل مع الطبيعة
ساد الاعتقاد أنه لكي يكون المرء ناجحاً يجب أن يكون قاسياً على نفسه، وهو يقيّم تصرفاته. بل إن منّا من يفخر بأنه يتعامل مع نفسه بصرامة، ويعتبر أن ذلك يُشكِّل مؤشراً على عزمه نحو تحقيق هذا الهدف. غير أن عدداً كبيراً من الأبحاث العلمية، يُظهر أن توجيه المرء الانتقادات لنفسه، يأتي دائما بنتائج عكسية.
فمثل هذه الانتقادات تُفضي إلى زيادة الشعور بالتعاسة والتوتر، كما قد تدفع المرء للنزوع إلى المماطلة والتسويف بشكل أكبر، وتجعله أقل قدرة على تحقيق أهدافه في المستقبل. ولذا، فبدلا من أن نمعن في جَلْد النفس، علينا أن نتعاطف معها، وأن نبدي قدراً أكبر من التسامح إزاء ما ارتكبناه من أخطاء. وأن يعمد كلٌّ منّا في الوقت ذاته، إلى الترفّق بنفسه خلال الأوقات، التي نمر فيها بإحباطات، أو نشعر خلالها بالإحراج.
تروي إليزابيث كيف أنها أصيبت في إحدى المرات خلال فترة التدريب. حيث كانت تجري لمسافة 30 ميلاً في اليوم لمدة 12 يوماً متتالياً. وهنا كان عليها أن تسأل نفسها إذا ما كانت ستتوقف عن التدريب أو تضغط على نفسها أكثر. إلا أنها قررت خياراً ثالثاً وهو أن تترك جسدها ليشفى. حتى لو تباطأت، لا يزال بإمكانها تحقيق هدفها البالغ 1500 ميل من خلال دمج ركوب الدراجات في رحلتها.
أيضاً في فنلندا، يُعد المشي لمسافات قصيرة أو طويلة في الطبيعة جزءاً أساسياً من ثقافة المواطنين. وهو ما يساعد على تنمية الهدوء الداخلي الذي يدعمهم في الأوقات الصعبة.