محمد الأمين

رئيس بلا قرار... فراغ

5 دقائق للقراءة

‎وفقاً لأحكام الدستور، رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن ومهمته السهر على احترام الدستور، وبناءً عليه ومن دون الغوص في الأسماء التي سبقت والأسماء المطروحة والتي ستُرشح لا بدّ من الانطلاق من ثابت أساسي ودور محوري ومعركة أساسية لأجل استعادة القرار، قرار القصر والرئاسة الأولى التي تراجعت وسقطت في مطبات عديدة وتهمش دورها بحيث تحولت إلى مجرد ديكور يخدم مصالح الأحزاب والمنتفعين لا رأي لها إلا في المسموح به من قبل الزعماء والميليشيات، وعلى سبيل المثال لا الحصر السلاح الخارج عن الدولة، والميليشيات التي تتباهى وتهدد به مصير دولة بفائض القوة فتتعالى على الدولة ولا تستشعر بوجودها وتستخدمها كغطاء لتمرير أعمالها العسكرية وتمعن في كسر هيبتها.


‎اليوم يتطلع اللبنانيون إلى انتخاب رئيس ليس لملء الفراغ، فوجود رئيس بلا دور وقرار هو كعدم الوجود وهو بكلتا الحالتين فراغ.. هو عنوان رئاسي فقط من خلاله يتم شرعنة بعض النشاطات ولصق التراجعات والخيبات بموقعه.

باختصار ملء الفراغ يكون بموظف لا تؤثر في مساره الصعوبات لاسترجاع قيام الدولة.

ومسارات بناء الدولة واضحة لا لبس فيها ومنها استرجاعها من هيمنة الميليشيات والزعامات وحصرية السلاح بيدها، لأنها فقط هي التي تتولى الدفاع عن البلاد وتطبيق القوانين بسلطاتها الأمنية والعسكرية القانونية، وكل ما عدا ذلك من عناوين هي لمصادرة الدولة واحتكارها، وهذه من أساسيات بناء الدولة وهي من بنيان قيامها وقوتها وهويتها السياسية، والتي تجعل لبنان بلداً محايداً عن الصراعات. والحياد لا يتحقق إلّا بوجود الدولة السيدة لقرارها والمستقلة، عدم وجود هذه الشروط يدل على ضعف الدولة في نظر اللبنانيين والعالم.


‎يدرك اللبنانيون بأن مواقع الرئاسة الأولى ومجلس النواب ومن تعاقبوا على رئاسة الحكومة لا يعارضون احتفاظ الأحزاب صناع 7 أيار حزب الله وحركة أمل بسلاحهم ، ناهيك عن عدم اقدامهم على حل سلاح المخيمات. وتماشياً مع سياسة "اللا مشاكل"، تقف الدولة متفرجة على ما تقوم به الميليشيات المسلحة في بيروت والجنوب من عراضات عسكرية تحت أعينها وأجهزتها، ولا تحرك الدولة ساكناً أيضًا إزاء تدخلات هذه الميليشيات خارج لبنان، ناهيك عن الحدود المشرعة... لقد اختبر اللبنانيون سياسة الاستفراد التي عزلت لبنان وأنتجت الدمار والحروب ومنها حرب تموز التي اختتمت بمقولة لو كنت أعلم، وكيدية أقصت لبنان عن محيطه.


‎وحده غياب الدولة هو الحاضر في أذهان اللبنانيين، وهذا الغياب أوجد القلق وعدم الاستقرار عند عموم اللبنانيين على مصيرهم لأن مرجعية الدولة التي يريدونها غير موجودة وتم استخلاصها بمرجعية الرأي والفرض الحزبي المُعطل لها.


‎نعم الدولة معطلة وهذا ما تشير إليه الوقائع ومنها فراغ سدة الرئاسة، وإلا كيف تكون الدولة صحيحة فيما تتآكلها الزعامات ويسحقها نفوذ السلاح وتستجدي لها دوراً في ملفات وقضايا عديدة.


‎الدولة مُعطَّلة لأنّ حرد وزير حزبي كفيلٌ بتعطيل مجلس الوزراء..


‎الدولة محكومة وليست حاكمة، لأن الدولة الحاكمة هي التي تلجم السلاح وتنزع مصدر الخوف وتمنع مصادرة القرار لأن بيدها قرار السلم والحرب والثقافة والتربية والاقتصاد والمالية وكل أمور الدولة والرؤية المستقبلية للبلاد.


‎الدولة التي يطمح لها اللبنانيون والتي يطالبون بها والتي نزلوا الشوارع والساحات لأجلها في 17 تشرين هي دولة القانون وليست دولة الميليشيات واهتراء المؤسسات، وليست الدولة التي تعجز عن الحكم بيدها ولا حتى بشراكة بينها وبين الميليشيات التي تحكم بما يلائمها وتُرفع عنها مسؤولية تحمل الآثار الناجمة عن سيطرتها على الدولة.


‎ما يجعل اللبنانيين في حالة استقرار هو دولة تتبنى الإنسان من دون أي امتيازات في الحقوق ولا تهيمن عليها طائفة تتعالى على باقي المكونات، دولة تؤمّن أبسط حقوق العيش الكريم والأمن والاستقرار والقضاء والعدل والتعافي الاقتصادي، ولا يتحقّق كل ذلك إلا بدولة تستعيد قوتها وحضورها ووجودها على كامل أرضها من خلال فرض القوانين من دون مجاملة ومهادنة ومراعاة لمافيات الفساد والاقتصاد والميليشيات، وحماية المواطنين والمواطنات من جعلهم رهائن لدى الأحزاب المسلحة واحتياطياً بشرياً وأرقام كسب واستغلال لمشاريعها الطائفية والمذهبية المرتبطة بخارج الحدود التي من خلالها تهدم مشروع الدولة، لأنها أحزاب لم تُبنَ أساساً على أسس وطنية وبرامج سياسية واجتماعية وثقافية بل بنيت على أسس دينية محصورة بمذاهب وأفكار غريبة تحول المجمتع والطائفة إلى محمية منغلقة على ذاتها بعد أن كانت جزءاً من التنوع ولوناً من ألوان التلاقي في النسيج الوطني.


‎اللبنانيون يريدون دولة لا دويلة ووطناً لا ساحة وجيشاً لا ميليشيات ومؤسسات لا مستودعات صواريخ، ويطالبون بتنفيذ القرارات الدولية التي تخص لبنان لاستعادة الاستقرار، لأن عدم تنفيذ القرارت تحت حجة "السلم الأهلي" لا يعني سوى الضعف عند الدولة والضعف خضوع أمام التنظيمات المسلحة وارتباطاتها الخارجية وهذا لا يعني عدم أهميتها في استعادة الدولة لأن الدولة وحدها هي مصدر الأمان والاطمئنان ومهما كان غيرها ذا نفوذ لا يمكن ملء مكان الدولة الحاضنة للجميع.


‎الدولة القوية وتنفيذ القرارات الدولية مدخل للحياد الذي يجنب لبنان شرور الحروب والخراب ويجعله بحال استقرار على طريق الازدهار، ويخرجه من الوضع الاقتصادي المتردّي الذي ليس سوى تفرع من المشكلة الأساسية وليس هو المشكلة.


ولذلك ليس أمام الدولة إلا التحرُر من الاستباحة والتقاسم والهيمنة من هيمنة السلاح كي لا تبقى مؤسساتها محميات لطائفة وجماعة وحركة وحزب وزعيم "وأن تستعيد كامل سلطتها على كامل أرضها كدولة، لأن من شروط استقرار لبنان هو مرجعية الدولة وحدها بدل مرجعيات دينية وسياسية وحزبية وطائفية تبقيه ساحة للعبة الشطرنج، وحلبة مصارعة لفرض سيطرة قوى الأمر الواقع التي تجلب بقوة سلاحها الضرر على لبنان واللبنانيين.