تؤكد زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى بكين حديثاً على إعادة إحياء الجهود الدبلوماسية لإخراج العلاقات الأميركية الصينية من دوامة المواجهات المتبادلة. كانت حادثة المنطاد الصيني في شهر شباط قد أعاقت المبادرات الدبلوماسية المُخطط لها، فقررت الصين تجميد أي شكل من التواصل الدبلوماسي بالكامل. لكنّ العائق الحقيقي أمام تجديد التواصل الثنائي قد ينجم عن مقاربة واشنطن المتناقضة تجاه الصين.
تُعتبر الفكرة الشائعة حول وجود إجماع بين الحزبَين الجمهوري والديمقراطي في طريقة التعامل مع الصين خاطئة جزئياً. ثمة إجماع حقيقي حول اعتبار الفرضيات القديمة بشأن الصين خاطئة. لم يكن التواصل كفيلاً بترسيخ الليبرالية أو الإصلاحات السياسية هناك، بل إن الصين التي أصبحت أغنى من السابق زادت استبداداً في عهد الرئيس شي جين بينغ أكثر من أي مرحلة أخرى منذ السبعينات. لكنّ الانتقادات المحيطة برحلة بلينكن إلى الصين دفعت الجمهوريين في الكونغرس إلى اتهامه «بالضعف» ومحاولة «منح الشرعية» للحزب الشيوعي الصيني. توضح هذه المواقف أن الحزبَين الأميركيَين لا يتفقان حول الوضع النهائي الذي تفضّله الولايات المتحدة.
تكثر مظاهر العدائية والقومية من الجانب الصيني أيضاً، فقد دعا وزير الخارجية الصيني كين غانغ نظيره بلينكن إلى «وقف التدخل في شؤون الصين الداخلية»، ولام كبير مستشاري السياسة الخارجية، وانغ يي، بلينكن على المبالغة في تضخيم «التهديد الصيني»، فقال إن الولايات المتحدة يجب أن «تفكر أولاً بآرائها الشائبة» التي زادت توتر العلاقات الأميركية الصينية برأيه.
لكن ربما أضفت الأحداث الأخيرة بعض الواقعية على الطموحات الصينية. قد تعترف بكين بالفرق بين ما تريد تحقيقه وما تستطيع قبوله، في الوقت الراهن على الأقل، بعدما توسعت الشكوك تجاه الصين في أوروبا ومعظم أنحاء آسيا واضطرب الاقتصاد الصيني بدرجة هائلة.
ما هو المسار الذي يسمح بإقامة علاقة مستقرة وبناءة وقادرة على مقاومة الصدمات بين الولايات المتحدة والصين؟ سيكون هذا المسار مشابهاً للجولة الدبلوماسية الجديدة التي أطلقتها رحلة بلينكن الأخيرة. هو يتطلب في المقام الأول أن يتجنب البلدان الحوادث والمواقف غير المبررة، ويُحددا شروط المنافسة والخطوط الحمراء لكل طرف منهما، ويغيّرا مقاربتهما. حتى الآن، تميل واشنطن وبكين إلى التحرك انطلاقاً من أسوأ السيناريوات المحتملة بسبب الطموحات المزعومة التي يحملها الطرف الآخر بدل الاتكال على الوقائع.
لهذا السبب، تتّهم الصين الولايات المتحدة بتطبيق «سياسة شاملة من الاحتواء والحصار والقمع» كلما تتعاون واشنطن مع جيران بكين. تصاعدت مخاوف واشنطن من أن تنتزع بكين مكانتها في آسيا وتبني نظاماً عالمياً محوره الصين بسبب «مبادرة الأمن العالمية» و»مبادرة التنمية العالمية» التي أطلقها شي جين بينغ ولا تزال مبهمة، واحتمال أن يصبح اليوان بديلاً عن الدولار الأميركي، مع أنه سيناريو مستبعد. قبل هذه المرحلة، استاء مؤيدو استعمال القوة في واشنطن من «مبادرة الحزام والطريق» التي يعتبرها الكثيرون نسخة الصين من «خطة مارشال»، و»بنك بريكس» الذي يُفترض أن يسرّع إزالة الدولرة مع أنه أصبح الآن مديوناً ومتعطشاً للدولارات.
لكن ثمة فجوة كبيرة بين هذه المخاوف والوقائع التي يستطيع كل طرف التحكم بها. تفتقر الصين إلى القوة الكافية لتجريد الولايات المتحدة من مكانتها كقوة عظمى عالمية في المستقبل المنظور، وتفتقر واشنطن إلى القوة الكافية لعزل الصين أو تغيير نظامها، وسيكون الطلاق الاقتصادي بينهما كارثياً للطرفين. أصبح تخفيض المخاطر الاستراتيجية في البلدين ممكناً أو حتى حتمياً في قطاعات الرقائق المتطورة، ومعدات تصنيع الرقائق، والسيارات الكهربائية، والتقنيات المتجددة، لكن لا يعني ذلك بالضرورة فك الارتباط بين البلدين.
بلغت التبادلات التجارية الثنائية مستوىً قياسياً في العام 2022 (690 مليار دولار)، ما يثبت أن ترابطاً قوياً سيستمر بين البلدين على الأرجح. تفرض الصين سيطرتها على قطاع المعادن الأرضية النادرة وطرق معالجتها، ما يعني أنها تتحكم بمكونات الألواح الشمسية وبطاريات السيارات الكهربائية. في المقابل، يصعب أن نفترض أن الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ العملية الانتقالية نحو الطاقة الخضراء بالشكل المُخطط له في قانون خفض التضخم بحلول العام 2035، إذا لم يحصل نوع من التعاون مع الصين.
يُفترض أن تكون المعاملة بالمثل الركيزة الأساسية لأي علاقة مستقرة وبناءة بين الولايات المتحدة والصين. قد تسمح خطوات متبادلة وملموسة بتهدئة أجواء العداوة القومية المتفاقمة بين الطرفين. يبدو مستوى انعدام الثقة بينهما عميقاً لدرجة أن يصبح إثبات المصداقية عبر تحركات متبادلة الطريقة الوحيدة لإعادة بناء درجة من الثقة تدريجاً.
قد تسمح خطوات أولية بسيطة بتحسين الأجواء العامة، منها إعادة فتح القنصليات المغلقة في البلدين، وتسهيل متطلبات التأشيرة، والسماح بدخول المزيد من الصحافيين إلى البلدين، وتسهيل تبادل الطلاب، وزيادة خطوط الطيران، وإطلاق سراح الرهائن الأميركيين العالقين في الصين بسبب حظر تأشيرة الخروج، وإعادة النظر بقوانين تقييد أمن البيانات الجديدة التي تسمح لبكين بتجريم الشركات الأجنبية بسبب إجراءات العناية الواجبة، وتقليص النشاطات الجوية والبحرية بشكلٍ متبادل في محيط تايوان وفي بحر الصين الجنوبي. حتى الآن، تبدو معظم هذه الخطوات مستبعدة، لكنها تبقى ممكنة. أحرز التعاون في مجال المناخ تقدماً ملحوظاً مثلاً رغم تجميد العلاقات عموماً.
بلغت التبادلات التجارية الثنائية مستوىً قياسياً في العام 2022 ما يثبت أن ترابطاً قوياً سيستمر بين البلدين
في المقابل، يجب أن يتجنب البلدان بعض الاستراتيجيات. لا يمكن الاستفادة من طرح آليات مؤسسية ومحاولة فرض تدابير جديدة لتقليص المخاطر أو إقامة حوار استراتيجي، بل يجب تأجيل هذه الخطوات إلى أن تنتج إجراءات ملموسة أخرى الزخم الكافي لإعادة بناء الثقة.
لكن تحتاج بعض المشاكل المحتدمة إلى حل قبل التمكن من استئصال السموم السياسية السائدة. يجب أن تعطي الولايات المتحدة الأولوية مثلاً لإنهاء دور الصين في تجارة الفنتانيل. لن تتكبد بكين تكاليف كبرى في هذه الحالة، بل ستنعكس خطوتها إيجاباً على الرأي العام الأميركي وتثبت للكونغرس أن الدبلوماسية قادرة على تحقيق النتائج المنشودة، مع أن بايدن قد يضطر ولو مؤقتاً لتعليق العقوبات المفروضة على المسؤولين والشركات الصينية ذات الصلة في مكتب الأمن العام. قد تربط الصين هذه الخطوة على الأرجح بتحركات أميركية على صلة بتايوان أو المسائل التكنولوجية.
تتعلق مسألة أساسية بالاستقرار المالي، والأهم من ذلك هو تنسيق الجهود مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والقطاع الخاص، لإدارة أزمة الديون في أفريقيا ودول أخرى ذات مداخيل منخفضة. إنه جزء من الأسباب التي تدفع وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين إلى محاولة تنظيم زيارة إلى الصين. يُفترض أن تسدد البلدان ذات المداخيل المنخفضة في العالم 35 مليار دولار من الديون في العام 2023، لكنّ مستوى القروض التي تتلقاها من بكين راهناً يساوي 37% من المجموع، وتعيق المقاربة الصينية الأحادية لتخفيف أعباء الديون الجهود الغربية.
كذلك تُعتبر أوكرانيا، حيث بدأ الرئيس الأميركي جو بايدن يعيد النظر بدور الصين، جزءاً من المسائل المؤثرة سياسياً وقد يكون التعاون في هذا الملف ممكناً. إنتقد الأميركيون موقف الصين الداعم لروسيا في شهر شباط، لكن حمل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظرة إيجابية إلى مواقف الصين الرافضة لاستعمال الأسلحة النووية، ودفاعها عن سلامة المحطات النووية، وتعهدها بتقديم المساعدة في جهود إعادة الإعمار بعد الحرب، علماً أن زيلينسكي أطلق حواراً مع بكين ولو أنه يبقى محدوداً. بما أن الصين تُعتبر من أبرز الجهات المقرضة، يُفترض أن يكون تعاونها مع الغرب، بدل مشاريع إعادة الإعمار أحادية الجانب في إطار «مبادرة الحزام والطريق»، جزءاً من الحوار الأميركي الصيني.
قد ينشأ حوار بين البلدين أيضاً في مجالات أخرى مثل القواعد العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتجارة، ما يسمح بإتمام المشتريات الزراعية الصينية بموجب الصفقة التي تمّ إبرامها في عهد ترامب، فضلاً عن توضيح العمليات التجارية في قطاعات السيارات الكهربائية، وتقنيات البطاريات، والألواح الشمسية. من الضروري أيضاً أن يحصل تعاون في مسألة مُلحّة يُعتبر البلدان فيها ضعيفَين: تطرح المخلفات الفضائية في مدار الأرض السفلي المزدحم تهديدات على الأقمار الاصطناعية التي أصبحت جزءاً أساسياً من البنية التحتية المعاصرة. ولا ننسى طبعاً شبح التغير المناخي المستمر.
سيكون ترسيخ توازن جديد مساراً طويلاً وشاقاً يسهل أن يتعطل بسبب منطاد تجسس آخر أو حادثة أخرى في تايوان. يتطلب هذا التوازن قيادة جريئة، وإرادة سياسية قوية، وجهوداً دبلوماسية مبتكرة. سيستفيد الجميع من كبح السياسات الاستعراضية (وهفوات بايدن، مثل اعتبار شي جين بينغ دكتاتوراً بلا مبرر بعد أيام على رحلة بلينكن) أو تقوية الروابط العسكرية والاقتصادية مع تايبيه ضمناً. لكن إذا فشلت هذه المساعي، ستترسّخ دوامة الموت ولن يعود استرجاع التوازن ممكناً إلا إذا نشأ صراع بحجم أزمة الصواريخ الكوبية أو وقع حدث أسوأ بعد.