يتابع الوثائقي The Deepest Breath (أعمق نَفَس) للمخرجة لورا ماكغان رحلة أليسيا زيكيني، الإيطالية المتمرسة بالغوص الحر والمُصمِّمة على كسر الرقم القياسي العالمي، والغواص المنقذ ستيفن كينان الذي يرافق الغواصين إلى أعماق البحار لمساعدتهم في الحالات الطارئة. يتّسم هذا العمل بمؤثرات بصرية مبهرة، وتعرض الصور الجميلة والمخيفة من تحت الماء أشخاصاً ضئيلين يحيط بهم عالم بحري شاسع. تعطينا هذه المؤثرات فكرة مرعبة ومدهشة عما يختبره هؤلاء الناس وما يتوقون إلى تحقيقه. تكون رحلتهم نفسية بقدر ما هي جسدية. قالت بطلة العالم السابقة في الغوص الحر، ناتاليا مولشانوفا، في إحدى المقابلات: «الاسترخاء العقلي هو أساس الغوص الحر». تتطلب هذه الرياضة تفريغ الذات من كل شيء، باستثناء الوعي والتركيز على الحاضر. كل شيء آخر يستنزف الكثير من الطاقة.
يُعرّفنا هذا الوثائقي على زيكيني وكينان عبر عرض خطَّين سرديَين متزامنَين. من إيطاليا وأيرلندا على التوالي، يسير كينان وزيكيني في طريقَين مختلفَين جداً: هي أصبحت غواصة حرّة منذ سن مبكرة، وهو أمضى معظم فترة شبابه وهو يجول العالم ويبحث عن هدف لحياته، لكنه لم يكن يعرف ما يريده. ثم يكتشف كينان في مرحلة معينة الغوص الحر ويتعلّق به سريعاً. سنسمع تعليقات زيكيني وكينان خلال مقاطع من مقابلة وتدوين صوتي.
كانت مولشانوفا قد ألهمت زيكيني في صغرها، إذ تبقى إنجازاتها أسطورية. هي حققت أرقاماً قياسية لم يكسرها أحد طوال سنوات. كانت زيكيني لا تزال في المدرسة الابتدائية حين قررت أنها تريد أن تصبح بطلة العالم. في العام 2015، اختفت مولشانوفا أثناء الغوص قبالة ساحل إيبيزا، فغطست في عمق البحر ولم تصعد مجدداً. أثارت هذه الحادثة صدمة قوية في أوساط الغوص الحر، وأدركت زيكيني للمرة الأولى أنها قد تخسر حياتها أثناء ممارستها للنشاط الذي تحبه. هذا الوضع أثّر عليها نفسياً، فقالت في إحدى المقابلات: «إنه مكان أسود ومظلم، حيث نشعر بأننا عالقون في الداخل».
كانت زيكيني طموحة جداً لدرجة أن تشعر بالتوتر وتصاب بتقلبات مزاجية طوال الوقت. هي ضغطت على نفسها بدرجة مفرطة. لكن في العام 2017، خلال مسابقة «الأزرق العمودي» في جزر البهاما، التقت زيكيني بكينان حين كان غواصاً منقذاً. فعرض عليها أن يدرّبها بعدما فقدت الوعي خلال حصص متلاحقة من الغوص. ثم حققت النجاح وكسرت رقماً قياسياً عالمياً بعد ثلاثة أيام (102 متر). هذه التجربة الناجحة عمّقت الرابط بين زيكيني وكينان. يعرض الوثائقي قصة حب أيضاً.
يكون ضغط المحيط العميق على جسم الإنسان كارثياً. يجازف الغواصون بالتعرض لضرر دماغي أو مشكلة دائمة في الرئتين. غالباً ما يفقد الغواص وعيه تحت الماء ويحتاج إلى المنقذين لإعادته إلى سطح الماء مجدداً. ثم يتلقى تنفساً اصطناعياً أثناء وجود الآخرين في الماء: لا يسمح الوقت بسحب الغواص إلى المركب.
تعرض المخرجة ماكغان أكبر عدد ممكن من الصور من مسابقات متنوعة، بالإضافة إلى تسجيلات وفيديوات ومقاطع من «إنستغرام» كينان وزيكيني اللذين يوثّقان حياتهما بهذه الطريقة. يشارك غواصون آخرون في العمل أيضاً ويجري بعضهم مقابلات تقليدية، بما في ذلك والدا زيكيني وكينان اللذان اضطرا للسماح لولدَيهما بإطلاق العنان لنفسَيهما وممارسة هذه الهواية الخطيرة التي لا يفهمها الكثيرون لكنها كفيلة بإسعادهما. تكثر اللقطات التي تعرض تفاصيل الغوص لأن فريقاً موهوباً من المصورين تحت الماء يلاحق الغواصين. كذلك، تتعدد المناطق المعروفة التي يتجه إليها الغواصون، بما في ذلك «الأزرق العمودي» في جزر البهاما و»الثقب الأزرق» المرعب في دهب، مصر.
يحمل الوثائقي أجواءً مريبة ومقلقة، وتتعدد اللقطات المرعبة حيث يسبح الغواصون إلى أعمق نقطة من البحار وتتحرك أجسامهم وفق نمط متموّج إلى أن يختفوا في الظلمة عند اقترابهم من القاع. يبدو كينان وزيكيني من عالمٍ آخر حين يكونان تحت الماء، لكنهما شخصان متواضعان ومرحان في حياتهما الطبيعية. إنها شخصيات ممتعة وجامحة وتعشق الحرية. وجد كل واحد منهما توأم روحه في الشخص الآخر. يبقى الغوص الحر مجتمعاً صغيراً، ما يعني أنّ ما يصيب شخصاً واحداً يؤثر على الجميع.
وصفت ناتاليا مولشانوفا تجربة الغوص في أعماق البحار قائلة: «الأمر أشبه بالتواجد في آخر مكان هادئ في العالم». إنه وصف مُعبّر ومؤثر. يعرض الوثائقي حقيقة ما يحصل تحت الماء، والسبب الذي يدفع الناس إلى المجازفة بحياتهم للغوص في تلك المساحة المظلمة والهادئة أو لسحب الغواصين الآخرين وإعادتهم إلى الحياة الصاخبة فوق سطح الماء.