د. نبيل خليفة

أنيس الفغالي: رجل الصيغة وشاعر القضيّة!

5 دقائق للقراءة

في مثل هذه الأيام من السنة، تعود بنا الذاكرة إلى زمن الأعياد والفرح، إلى عيد السيدة في ايليج بميفوق حيث كانت مقراً للبطريركيّة المارونيّة ومحجّة للمؤمنين في عيد السيدة العذراء في الخامس عشر من شهر آب من كل عام، ومحجّة لعشاق الزجل، يقصدون مقهى نبع حريش بمياهه الدافقة وأشجاره الباسقة للاستماع إلى حفلة زجل يحييها كبار شعراء الزجل اللبناني وفي مقدّمهم شحرور الوادي على رأس جوقة تضم إليه: علي الحاج وأنيس روحانا، طانيوس عبده وإميل رزق الله. ويشارك فيها أحياناً بعض الشعراء المحليين من جرود جبيل والبترون فيطرحون فيها مواهبهم الشعريّة ويقابلهم الشحرور بشهادة عن مستقبل شعري واعد لهم، طبقاً لمستوى الأداء الشعري الذي قدّموه للجوقة وللحوار. وعادةً ما تكون هذه الشهادة بمثابة اعتراف جامع وحاسم لهم إن في ندوة الزجل أم في الحياة الاجتماعية في قراهم.

إنّ واحدة من أبرز هذه المناسبات كانت في العام 1938. لقد دُعيت جوقة شحرور الوادي إلى تقديم حفلة زجلية في مقهى نبع حريش بمناسبة عيد السيدة العذراء «سيدة ايليج» «إنه العيد القمّة في الضمير الجماعي لبلاديّ جبيل والبترون، لأنّه بوجهيه الروحي والخيالي يعكس بالبساطة والفطرة اهتمام الناس وأشواقهم وهربهم من التعب والفقر إلى أفياء إلهة العطف ايليج، وإلى رب الزجل والمنابر شحرور الوادي. إنّه الامتحان للذات والمستقبل وعيد الراحة للمعذبين في أرزاقهم ووطنهم».

بين الحاضرين لهذا الحفل كان رجلان لديهما سليقة شعرية هما أنيس الفغالي وأبي كمال خليفه وكلاهما قدّما امتحاناً لشاعريتهم في حضرة الشحرور وجوقته. أترك الكلام عن تجربة أبي آنذاك، ولكني أكتفي بالقول، أنه لدى ولادتي بعد ذلك بسنة عام 1939 أصرّ أبي أن يسميني «نبيل» على اسم ابن شحرور الوادي. أما أنيس الفغالي فقد صعد إلى منبر الشحرور وهو في سن السابعة عشرة من عمره وقدّم امتحاناً مميّزاً أثار الفرح والاعجاب لدى الشحرور وجوقته ولدى الحاضرين أيضاً. لقد كانت تلك المناسبة نقطة فاصلة في حياة أنيس الفغالي خاصة وأنها استكملت بشهادة غير عادية من الشحرور لأنيس الفغالي وفيها قوله:

«لطفك سحرني متل كاس السلسبيل

وطلّتك متقاربة بأسعد خليل

بلقّبك بالفن شحرور الزغير

تا بعد موتي تكون عن أسعد وكيل»

لم يكن الشحرور بحاجة إلى كبير جهد لإكتشاف موهبة أنيس الفغالي ومستواه الأدبي والفني. ولذا اختاره منذ البداية خليفةً له على مملكة الزجل وهو ما لم يمنحه لأحدٍ سواه. حدث ذلك في تلك الليلة الشهيرة من شهر آب عام 1938 على نبع حريش في ميفوق.

أولاً: أنيس الفغالي رجل الصيغة

بعيداً عن الكلام الصبياني الفارغ، فإنّ أفضل وأدّق صفة تعطى لأنيس الفغالي الشاعر أنه «رجل الصيغة». فماذا يعني ذلك؟

إن الصيغة تعني الجمع بين ما هو مختلف. الاختلاف قائم بين اللغة العامية لغة الزجل وبين اللغة الفصحى لغة الفصاحة العربية. كان أنيس الفغالي، من دون غيره من شعراء الزجل، أستاذاً للغة العربية في المدرسة. فهو مطّلع عليها ومتضلع فيها. وجمع أنيس الفغالي في شعره اللغة بوجهيها: العامي والفصيح فجاء شعره مزيجاً من هذين الموردين.

بهذا المعنى كان صورة كاملة عن لبنان الصيغة. إنّها الجامع بين الخصوصية اللبنانية من جانب عبر العامية، وبين الانتماء العربي من جنب آخر عبر التعابير الفصحى. لذا كان أنيس الفغالي بسبب ثقافته، رجل الصيغة الأوحد في الشعر الزجلي اللبناني.

ثانياً: أنيس الفغالي شاعر القضيّة

مع هذا العنوان خرجنا من نطاق اللغة إلى نطاق الوجود ومعنى الوجود اللبناني: الانسان الدولة والكيان. إنّه شاعر يتمنى الشهادة دفاعاً عن بلاده وشعبه. «يا ربّ موّتني عن بلادي شهيد... وشيل من عمري وعمر لبنان زيد». وهو شاعر ملتزم بوطنه لبنان ذلك أنّ الايمان بهذا الوطن هو الأساس «عزمي وطموحي وكل ما كفي جني لازم يكونوا في تصرّف موطني».

لبنان لديه وطن صامد على صخر المحبة. إنّه مساحة للحريّة، وعلامة ارتباط بين التراث والحياة. فهو لا يبدل غنى المعمورة بحبة تراب من بلاده. أرضه تبقى ارثاً لأبنائه. إنه بلد يدعو فيه الشاعر أنيس الفغالي الأخ المسلم إلى «نبذ التعصّب وترك الغريب واحلال التفاهم بين أبناء الوطن الواحد»... «إنه وطن وُجد ليبقى، لا ليصلب!

والبلاد التي تقوم عليها قضية أنيس الفغالي هذه صورتها لديه:

بلادي حبها بقلبي عبادي...

ومنحت خلودها غلة جهادي

وإذا فكّر حدا يعكّر صفاها...

وإذا بتفتيتها افتكروا الأعادي

برجّع كل غازي عن حماها...

ذليل النفس مكتوع الآيادي

وإذا عز الفدا روحي فداها...

وعا مذبح حبها بضحي ولادي

... محبة الوطن والتضحية في سبيله والدفاع عنه والفداء بالذات وبالأولاد من أجله، تلك ملامح عميقة وأصيلة في نفس الشاعر لأن حماية الوطن أساس في شرف الحياة للمواطنين.

وهذه بعض القيَم الكبرى التي تحفل بها حياة أنيس الفغالي ويعكسها شعره النابض بالحياة. ولذا وجدت نفسي منذ التسعينات في القرن الماضي معنياً انسانياً ووطنياً وأدبياً بهذا التراث المميز في أدبنا اللبناني فأخذت المبادرة بجمع ديوانه الشعري وأصدرت الجزء الأول عام 1995 بأكثر من ثلاثماية صفحة ومقدمة كتبتها للديوان في حدود عشرين صفحة.

وقد كتب لي على صفحة الاهداء: «إلى الأستاذ نبيل خليفه الذي بجهده وحبه لنا أبصر النور ديوان الأنيس»... الجهد والحب هذا ما كنا عليه في حياتنا... ونبقى... رحم الله الأوفياء!