دعم واضح لروسيا في شبه جزيرة القرم

8 دقائق للقراءة
منذ ست سنوات، استولت القوات الروسية على شبه جزيرة القرم في أوكرانيا. نظّمت موسكو استفتاءً سريعاً في 16 آذار 2014 لمنح تلك الخطوة غطاءً شرعياً. وفق النتائج الرسمية، صوّت 97% من سكان شبه جزيرة القرم لصالح الانضمام إلى روسيا. لكن اعتبر معظم المجتمع الدولي ذلك الاستفتاء مزيفاً، بمعنى أنه حصل تحت تهديد السلاح. نتيجةً لذلك، لم تنضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا بناءً على قرار حر، بل تم إلحاقها بها.

تختلف طبيعة الذكرى التي تحملها روسيا ومنتقدوها عن ذلك الحدث. يستذكر المسؤولون الروس تاريخ 18 آذار 2014 باعتباره يوم "عودة شبه جزيرة القرم" إلى الوطن الأم وتاريخ انضمام تلك المنطقة رسمياً إلى روسيا. أما معارضو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيتذكرون بأسى إلحاق شبه الجزيرة بروسيا في 27 شباط 2014، يوم أطلقت القوات الروسية عمليات سرية لسلب تلك المنطقة من أوكرانيا. في التاريخ نفسه من هذه السنة، أصدر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بياناً صحافياً وأعلن فيه أن "شبه جزيرة القرم مُلك لأوكرانيا"، فقال: "الولايات المتحدة لم ولن تعترف يوماً بمطالب روسيا فرض سيادتها على شبه الجزيرة. لذا ندعو روسيا إلى إنهاء احتلالها هناك".

يشعر بعض سكان شبه الجزيرة حتماً بأنه يعيش في أرض محتلة، تحت سطوة الغزاة الروس. وثّقت منظمات حقوق الإنسان الدولية والناشطون المحليون حالات عدة من قمع المعارضين واعتقال الناشطين المنتمين إلى جماعة التتار التي تشكّل أقلية مسلمة هناك بِتُهَم ملفّقة ترتبط بالإرهاب. داهمت السلطات المحلية منازل ناشطين مشتبه بهم وسحقت وسائل الإعلام المستقلة وحظرت "المجلس"، أهم منظمة مدنية تابعة لجماعة التتار. لكنّ آراء أكبر جزء من سكان شبه الجزيرة لا تلقى انتباهاً في الغرب بقدر ما يصبّ التركيز على مواقف المعارضين. تثبت الاستطلاعات في العام 2014 ثم 2019 أن معظم سكان شبه جزيرة القرم كانوا ولا يزالون يؤيدون إلحاقهم بروسيا. 



كان استفتاء آذار 2014 في شبه جزيرة القرم شائباً جداً. جرى التصويت بسرعة في ظل جو من الانقسام الحاد وغداة حصول غزو عسكري، وقاطع معارضو روسيا الاستفتاء. لكن من الواضح أن معظم سكان المنطقة، وليس كلهم طبعاً، رحّبوا بانضمامهم إلى روسيا. كشفت استطلاعات كثيرة في مرحلة إلحاق شبه الجزيرة وفي الفترات اللاحقة أيضاً توسّع الدعم لقرار الانضمام إلى روسيا، منها استطلاع أجراه مركز "ليفادا" في كانون الأول 2014. لقد برز حينها اختلاف واضح بين المجتمع الدولي الذي اعتبر ما حصل عملية غير شرعية، وموقف الشعب الداعم لتلك الخطوة داخل شبه الجزيرة. كانت روسيا عدائية وتوسّعية في تحركاتها هناك وانتهكت القوانين والمعايير الدولية حتماً، لكنّ خطتها لم تزعج معظم السكان المحليين.

منذ العام 2014، صرفت موسكو أموالاً طائلة في شبه جزيرة القرم. بعد قطع إمدادات المياه والكهرباء والغاز وأنظمة النقل من أوكرانيا، وفّرت روسيا شبكات من البنى التحتية لشبه الجزيرة بكلفة عالية. تصل خطوط الكهرباء إليها اليوم من مدينة "روستوف" الروسية، ويمتد إليها خط أنابيب غاز تحت الماء من "كراسنودار". لكن كان أضخم مشروع روسي في المنطقة يتعلق ببناء طريق على مساحة 19 كلم وجسر للسكك الحديد على طول مضيق "كيرتش" (انتهى العمل عليه في العام 2019). لا يربط هذا المشروع شبه الجزيرة بروسيا فحسب، بل يرمز أيضاً إلى رغبة إدارة بوتين في ضم المنطقة إلى الوطن الأم. بالإضافة إلى هذه المشاريع وسواها، جاء آلاف السكان الروس الجدد إلى شبه جزيرة القرم (أكثر من ربع مليون وفق بعض التقديرات). كانت شبه الجزيرة المنطقة الأسرع نمواً في العام 2019 وجذبت عدداً كبيراً من السياح الروس.

بشكل عام، تفاءل السكان بضم شبه الجزيرة في العام 2014، فظن معظمهم أن حياتهم ستتحسن. لكن بعد مرور خمس سنوات على إطلاق المبادرات التنموية واستثمارات روسية تفوق قيمتها العشرين مليار دولار والاندماج في البنى التحتية الروسية، هل تغيرت التوقعات في شبه جزيرة القرم؟

يسمح استطلاع آخر أجراه مركز "ليفادا" أيضاً في العام 2019 بمقارنة نظرة السكان إلى مستقبلهم في كانون الأول 2014 وموقفهم بعد خمس سنوات. سُئِل المشاركون في الاستطلاع إذا كانوا يتوقعون تحسّن أوضاعهم بعد سنتين. حمل الروس في هذه المنطقة آمالاً كبرى في العام 2014 (توقّع 93% منهم أن يتحسّن وضعهم خلال سنتين)، لكن تراجعت آمالهم في العام 2019 (انخفضت نسبة المتفائلين إلى 71%). كذلك، ارتفعت نسبة المقتنعين بأن الانضمام إلى روسيا سيُحسّن وضعهم في أوساط التتار من 50% في العام 2014 إلى 81% في العام 2019. في المقابل، بقي الأوكرانيون في شبه جزيرة القرم متفائلين عموماً: توقّع 75% تحسّن وضعهم في العام 2014 وتمسّك حوالى 72% منهم بالموقف نفسه في العام 2019. تكشف هذه المستويات المرتفعة من التفاؤل وسط الجماعات الإثنية أن معظم سكان شبه الجزيرة شعروا بالسرور لأنهم تركوا أوكرانيا وانضموا إلى روسيا، البلد الأكثر ثراءً.

يشعر سكان شبه جزيرة القرم بالتفاؤل أيضاً بشأن قوة تحمّل روسيا في وجه الضغوط الاقتصادية الخارجية. فرضت الولايات المتحدة وبلدان غربية أخرى عقوبات اقتصادية على روسيا بعد ضم شبه الجزيرة. لكن بعد مرور خمس سنوات، تلاشت المخاوف حول آثار تلك العقوبات بين السكان العاديين. في استطلاع من كانون الأول 2014، ذكر 80% من المشاركين أنهم قلقون من آثار العقوبات الدولية. لكن تراجعت تلك النسبة إلى 54% في العام 2019. يبدو أن السكان هناك، على غرار الناس في مناطق أخرى من روسيا، اعتادوا على الحياة في ظل العقوبات.

رغم مرور خمس سنوات بين الاستطلاعَين، تكشف البيانات الجديدة في كانون الأول 2019 نتائج مشابهة لتلك المسجّلة في العام 2014 عن الروس والأوكرانيين في شبه الجزيرة، إذ يُجمِع هؤلاء على تحسّن حياتهم منذ قرار ضم المنطقة إلى روسيا. لكن كان موقف التتار أكثر إيجابية في العام 2019 مقارنةً بالعام 2014. رغم توتر علاقتهم التاريخية مع الحكام المركزيين في موسكو (يتعلق السبب الأساسي بعمليات الترحيل)، كان التتار أكثر تشاؤماً من الروس والأوكرانيين حول مستقبلهم بعد استفتاء العام 2014. لكن تراجع الاختلاف في الآراء بين التتار والجماعات الأخرى في العام 2014 بطريقة جذرية بحلول 2019. اقتصرت نسبة التتار المقتنعين بتحسّن الأوضاع في شبه الجزيرة بعد استيلاء روسيا عليها في العام 2014 على 19% مثلاً، لكن ارتفعت تلك النسبة إلى 45% في العام 2019.

لكن رغم هذه النوايا الحسنة والمواقف الإيجابية كلها، سارع معظم السكان إلى الاعتراف بالمصاعب المستمرة في شبه الجزيرة. في العام 2014، توقّع 73% من المشاركين في الاستطلاع مشاكل "كبرى" أو "كثيرة" تزامناً مع المرحلة الانتقالية التي تُمهّد للانضمام إلى روسيا. وبعد مرور خمس سنوات، بقيت معظم تلك المخاوف قائمة.

عند تقييم المشاكل في شبه جزيرة القرم، لم تختلف الآراء بين الجماعات الإثنية. عبّر السكان هناك عن مخاوف اقتصادية كبرى بسبب انخفاض معاشات التقاعد والأجور واستمرار مظاهر البطالة. وجاء تراجع الاستثمارات الحكومية في قطاعَي التعليم والرعاية الصحية في المرتبة الثانية على لائحة المخاوف. كذلك، عبّر السكان عن قلقهم بشأن استدامة الاقتصاد المحلي والتضخم وتباطؤ تطوير البنى التحتية في المنطقة. في المقابل، بدا المشاركون أقل انشغالاً بالمسائل السياسية، بما في ذلك طبيعة الحكم المحلي والوطني، وحقوق الإنسان، والعلاقات مع أوكرانيا وبلدان أخرى. يتماشى هذا الموقف مع المشاعر السائدة في عدد كبير من البلدان السوفياتية السابقة حيث تطغى المواضيع المعيشية على المسائل السياسية.



أخيراً، تتفاوت الآراء حول بوتين، مهندس عملية ضم شبه جزيرة القرم، في استطلاع العام 2019. بدأت نسبة تأييد بوتين تتراجع في روسيا خلال السنوات القليلة الماضية بعدما بلغت ذروتها غداة إلحاق المنطقة. انخفضت تلك النسبة راهناً إلى 68% وفق استطلاع وطني أجراه مركز "ليفادا" في كانون الثاني 2020. وفي شبه جزيرة القرم، تبلغ نسبة تأييد بوتين 55%. ترتفع هذه النسبة وسط الأوكرانيين (61%) والروس (60%) مقارنةً بالتتار (34%)، ما يثبت أن التتار في شبه الجزيرة يشككون بحكومة بوتين حتى لو كانوا مسرورين بتغيّر الظروف الاقتصادية المحلية. وحين سُئل سكان شبه الجزيرة مباشرةً عن درجة ثقتهم ببوتين في العام 2019، اعترف 85% منهم بأنهم يثقون بالرئيس الروسي. إنها النسبة نفسها التي كانت تثق به في العام 2014.

يجب ألا نعتبر هذه النتائج نفياً للصورة التي يعكسها الناشطون الأوكرانيون عن شبه جزيرة القرم في الغرب. لقد صوّرت الشهادات الأخيرة أمام الكونغرس صورة قاتمة عن "الحياة تحت الاحتلال" هناك. لا أحد ينكر أن شبه الجزيرة تشهد انتهاكات لحقوق الإنسان، ولا تزال حياة الناشطين ومعارضي قرار ضم المنطقة إلى روسيا صعبة، ويستفحل الفساد هناك حتى الآن.

لكن حين يزعم الناشطون الأوكرانيون والسياسيون الغربيون أن سكان شبه جزيرة القرم "يعيشون تحت الاحتلال"، هم يعممون بذلك تجربة البعض على جميع الناس. لا يعتبر معظم السكان هناك الحكم الروسي قمعياً أو دخيلاً أو غير مرحّب فيه، بل تكشف الاستطلاعات أنهم سعداء بالعيش في روسيا بقيادة بوتين.