شربل داغر

"الحشمة" القمعيّة

دقيقتان للقراءة

هذا ما أقعُ عليه في مواقع، وقررتُ الحديث عنه:

«بللَ الماءُ فستانَها والتصقَ بجسدها»...

و»تغطي القليل من جسدها»...

و»بأكتاف عارية تَظهر»...

يمكن أن أزيد الكثير منها، وهي تتتابع يوماً بعد يوم.

هذا يعني أنها سياسة عامة، مستمرة، متمادية.

هذا ما يَشمل الحديث عن المرأة العربية حصراً: عن كتفَيها، عن عنقها، عن يدَيها، عن ركبتَيها، عن كامل جسدها.

وهذا يشير من قريب أو بعيد، من معلن ومستور، عما يمكن تسميته: فقه الجسد الأنثوي، أو فقه الحشمة.

وما يُمنَع عن المرأة لا يشمل الرجل ابداً، إذ لا فقهَ يشمل ظهوره، أو زيّه، أو حشمته.

كما لو أن هذا الفقه يعني تحكمَ الرجل بالفقه، وبالمرأة، منعاً وسماحاً، وفي الاتجاهَين.

هذا لا يعني فقط تحصيناً للمرأة، بل يعني أكثر، وضمناً على الأقل، عدم تعريض الرجل لاستثارة المرأة.

أي أن المقصود هو الحفاظ على ما يُجنبُ المرأة الانفلاتَ الغريزي لشهوانية الرجل.

هذا ما تقوله نصوص وأحكام على أن ما تنبئ به الوقائع يخالف ذلك في أحوال كثيرة.

فكم من جرائم الاغتصاب (ومنها للصغيرات) لا تحظى بما يناسبها من عقوبات، بفعل كون الضحية «أثارتْ» الرجل المعتدي!

كما لو أن الرجل شهوةٌ منتصِبة، على المرأة أن تتحاشى انفلاتها من عقالها!

كما لو أن القوانين غير معنية بذلك، وبضبط الرجل عملياً!

فجسدُ المرأة مُباح، مُستباح، مثل لحم معروض لأي صيّاد، في اي عتمة، في اي احتشاد جماهيري (مثلما حصل في «ثورات» غير مجيدة).

هذه الاستباحة مستمرة، بل متجلية ايضاً في المواقع المذكورة، ما دام نشر الخبر «المشين» يستثير الشهوة الكامنة، بل ينشطها ويغذيها.

الإغتصاب لا تنقطع أخباره هنا وهناك، لكن شيوعه أو تجلياته المختلفة تغتذي من ضعف القوانين أمام فقه الحشمة، الذي تحركُه استهدافات سياسية أكثر منها أخلاقية.

فما تحتاجه أحوال المجتمعات، والعلاقات بين الجنسَين، هو القوانين، وشمولها، وحسن تطبيقها، لا النواهي أو الإرشادات الاخلاقية.

وهو ما لا يستقيم مع عالم الحياة المعاصرة، ولا سيما حياة المرأة، التي لم تعد كما كانت منذ قرن على الأكثر: لقد خرجتْ المرأة من «الحرملك» إلى علانية المجتمع، وإلى عالم العلم والعمل.

فقهُ الحشمة هذا يُخفي ملكية الرجل المتمادية لِما يعتبره من ممتلكاته، ولِما يُبيحه أو لا يُبيحه، على أن وجوده وحده، وسيادته فيه، هو ما له أن يُنظم المجتمع، والمرأة الملحقة به.