جوزيف حبيب

"الساحر" ترامب يرفض الاستسلام

4 دقائق للقراءة
ترامب مُهدّد بدخول السجن في حال إدانته في بعض القضايا الحسّاسة (أ ف ب)

تقضي أي «فضيحة دسمة»، في «الحالات الطبيعية»، على فرص أي «مرشّح قوي» لأي منصب محلّي أو فدرالي في الولايات المتحدة الأميركية، لإمكانية دخوله ولو حتّى المنافسة على نيل بطاقة ترشيح حزبه لخوض «العرس الديموقراطي». لكنّ هذه «القاعدة» لا تنطبق، أقلّه بشكل كامل وحاسم، على «ساحر» الجماهير اليمينية الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي يأبى الاستسلام والتراجع عن حملته الانتخابية أمام «الأعاصير» القضائية الطاحنة و»الأمواج» السياسية الكاسرة.

إستطاع ترامب خلال فترة قصيرة نسبيّاً من «عمره السياسي»، من «احتلال» عقول وقلوب الملايين من الناخبين المحافظين والسيطرة عليها، على الرغم من تراكم فضائحه الشخصية ومتاعبه القانونية. ومنذ خوضه غمار «رمال واشنطن المتحرّكة»، لم يكن بالأمر السهل عليه إطلاقاً أن يتحوّل «بلمح البصر» من نجم في عالم تلفزيون الواقع إلى قائد للعالم الحرّ عام 2017، مخالفاً كلّ التوقّعات خلال انتخابات العام 2016.

وما زال ترامب يُفاجئ الأقربين والأبعدين بقدرته على الاستمرار في العمل السياسي وتصدّره «المشهد الجمهوري» على الصعيد الوطني حتّى اللحظة، في السباق المحموم لنيل بطاقة ترشيح «حزب الفيل» للانتخابات الرئاسية، خصوصاً مع تعثّر حملة منافسه الجمهوري الرئيسي الضابط السابق في البحرية الأميركية وحاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، الغارق في حساباته الخاطئة وسقطات فريق عمله «القاتلة».

لقد أعلن ترامب «حربه المقدّسة» على «الدولة العميقة» في واشنطن، مستنداً إلى «رأي عام» وازن ينظر بعين الريبة إلى كلّ ما يصدر عن الحكومة وممثليها. وتمكّن الرئيس الجمهوري السابق من استغلال «عدم ثقة» شريحة واسعة من الناخبين المحافظين بالسلطات الفدرالية لمصلحته الانتخابية، إذ كلّما واجه اتهامات جنائية جديدة كلّما تجذّرت شعبيّته في القواعد اليمينية وحسّن وضعيّته الانتخابية في مواجهة خصومه الجمهوريين.

ينتظر ترامب المتصالح مع جمهوره الذي يعتبره «رجلاً صادقاً في تنفيذ وعوده» بعكس «نخب واشنطن»، بفارغ الصبر وبتهيّب في آن واحد، محاكمته في ذروة الحملة الانتخابية في أيّار 2024، في قضية احتفاظه بوثائق حكومية مصنّفة سرّية، فيما يتوقّع قريباً توالي لوائح الاتهام بحقّه حول قضايا قانونية عدّة، أبرزها التحقيق المتعلّق بالهجوم على مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني 2021.

وهذه القضية بالذات، إضافةً إلى التحقيقات الشاملة في المساعي الأخرى لقلب نتيجة انتخابات 2020 الرئاسية والضغوط التي مارسها ترامب في محاولته لتغيير النتائج، لا سيّما في ولاية جورجيا، تُعتبر من أكثر القضايا التي ضربت صورته كـ»شخصية رئاسية» في عيون الناخبين الوسطيين والمتردّدين والديموقراطيين الناقمين على إعادة ترشّح الرئيس الحالي جو بايدن، الذي يبدو أكثر فأكثر مع الوقت غير مؤهّل جسديّاً وذهنيّاً لولاية رئاسية ثانية تبدأ في 20 كانون الثاني 2025.

صحيح أن ترامب ينطلق من قاعدة مؤيّدة صلبة في أوساط البيض من الإنجيليين والكاثوليك المحافظين، إلّا أنّه بحاجة إلى جذب الملايين من الوسطيين والمتردّدين للنجاح في حسم «صراع العرش» والجلوس مرّة أخرى داخل المكتب البيضوي. واستقطاب هؤلاء كان رهان ديسانتيس الأساسي عند إطلاق حملته لإقناع «الترامبيين» بدعمه لأنّه أوفر حظّاً من ترامب لهزيمة بايدن.

معضلة ترامب المُهدّد بدخول السجن في حال إدانته في بعض القضايا الحسّاسة، تكمن في ما إذا كانت ثمة حظوظ لديه يعتدّ بها للفوز في ولايات متأرجحة كأريزونا وجورجيا وويسكونسن وبنسلفانيا وغيرها من الولايات التي ستُحدّد هويّة الرئيس المُنتخب في الخامس من تشرين الثاني 2024. لا شكّ أن الانتخابات المقبلة ستكون من الأكثر إثارة في تاريخ بلاد «العم سام»، وهي مفصليّة بالنسبة إلى ترامب الذي يتراقص مصيره بين الرئاسة والسجن... وربّما الاغتيال، كما يتخوّف مؤيّدوه، بينما يؤكد «الساحر» أنّه لم يكن ليواجه أي متاعب قانونية لو لم يترشّح مرّة أخرى أو لو كانت حظوظه بالفوز ضئيلة.