رفيق خوري

خطر السلطوية الهجينة في الاقتصاد والسياسة

3 دقائق للقراءة

تغيرت الدنيا في لبنان وحوله من دون ان يتغير شيء في سلوك السلطة. وليس لدى أصحاب السلطة في مواجهة الأزمات المصيرية التي تضربنا سوى الوعود بأحلام عالم افتراضي في كوابيس العالم الواقعي. حديث المسؤولين عن حرصهم على سلامة الودائع يصحّ فيه المثل الروسي القائل: "لا تستطيع ان تتمنى الصحة الجيدة لرجل وأنت تسير في جنازته". وضيق صدورهم بأي نقد وحتى بصراخ الجائعين الذين يجتمع عليهم وباءان: كورونا ونهب اموالهم، يرافقه إتساع الرغبات في الاستئثار.

ذلك ان الحكومة تبدو كأنها أكاديمية للبحث النظري أكثر منها ورشة عمل. وهي تمارس الشفافية والتعمية في وقت واحد. الشفافية التي تفاخر بها، عن حق، انها اول حكومة تجرؤ على كشف الحجم الحقيقي للخسارة البالغة 83 مليار دولار. وأن رئيسها الدكتور حسان دياب اعترف بأن الاموال " تبخرت". والتعمية هي تجاهل الكشف الفعلي عن أسباب الخسارة والمسؤولين عنها وعن "تبخر" المال في السلطة والمصرف المركزي والمصارف، والوعد بمحاسبة هؤلاء. ولا مفاجأة في ذلك، فمن يحاسب من على الهدر والسرقة، والكل متورّط او متواطئ؟ وحين يختلف الشركاء ويتّهم كل طرف الآخر بأنه سيد النهب والهدر وراعي الفساد، فان المنطقي هو تصديق الطرفين لأن شراكتهما كاملة. و"في مجتمع حر، البعض مذنب لكن الكل مسؤول" كما قال الفيلسوف ابراهام هيشل.

ومن الطبيعي ان نرى الارتباك والتخبط والتعلّم من التجارب بالناس في أول مئة يوم من عمر حكومة هواة بينهم أبرياء يتحكّم بها وبهم محترفون دهاة. لكن المشكلة أخطر من التخبط. ففي مسودات الخطة الحكومية المسماة انقاذية وردت اقتراحات وأفكار لمعاقبة الضحايا على ما فعله المسؤولون. وبعضها بدا نوعاً من الانقلاب على نظام الاقتصاد الحر الذي عاش عليه لبنان، بصرف النظر عما فيه من نواقص وعيوب. واللعبة ليست حركة واحدة. فالانقلاب على الحرية الاقتصادية يحتم الانقلاب على النظام السياسي الديموقراطي، مهما يكن شكلياً، لإقامة نظام سلطوي ولو كان هجيناً. ومن الوهم ان يعيش مثل هذا النظام في بلد تعددي مثل لبنان، وان كان هناك من يتصور انه يستطيع الإمساك بالبلد. والوهم الاكبر هو الرهان على التغيير نحو الأسوأ بحجة الحشرة، بحيث يكتمل افلاس البلد المشرف على الافلاس.

سئل اينشتاين عما يفعله اذا علم ان التدمير النووي وشيك، فقال: "اذهب الى سويسرا لان كل شيء هناك يحدث متأخراً خمسين سنة". والظاهر ان هناك من يريد ان يعالج أمراضنا بعلاج فاسد أخطر من المرض سقط قبل عقود في العالم هو النظام السلطوي الشمولي.