لم يُكلّل «اتفاق بكين» الذي أبصر النور في 10 آذار وشكّل «خرقاً ديبلوماسيّاً» في الشرق الأوسط عبر دفع عجلات التطبيع بين الرياض وطهران، بإنجازات وازنة، أقلّه حتّى اللحظة، مع استحالة تخطّي عقبات جوهرية حالت دون فتح السفارة السعودية في إيران، وتالياً دون وضع الملف اليمني على نار تسووية حامية، كان من المُفترض بطهران أن تؤدّي فيها دوراً مسهّلاً مع المتمرّدين الحوثيين.
لا يُمكن لأحد انكار تحقيق «اتفاق بكين» نوعاً من الاستقرار، ولو الهشّ، في البيئة الأمنية الإقليمية، خصوصاً من خلال تثبيت إبعاد شبح الاعتداءات الصاروخية والمسيّرة عن السعودية والإمارات. بيد أنّ هذا المعطى وحده، ورغم أهمّيته البالغة لأمن المنطقة وإمدادات الطاقة العالمية، ليس كافياً بالنسبة إلى الرياض الساعية إلى «تصفير مشكلاتها» الخارجية، لكن ضمن «رؤية استراتيجية متكاملة» تحول دون تفجّر صراعات في المستقبل تُهدّد مشاريعها الاقتصادية والتنموية.
إنطلقت الرياض من سياسة «خطوة مقابل خطوة» في مسار تطبيعها لعلاقاتها مع خصومها وأعدائها في المنطقة. وبينما نجحت وتنجح هذه المقاربة بشكل ملحوظ مع الدوحة وأنقرة توالياً، يبدو أنّها تتعثّر مع كلّ من طهران ودمشق لعدم مبادرتهما بخطوات ايجابية بنّاءة تتعلّق بملفات تعتبرها السعودية حساسة للغاية بالنسبة إلى أمنها المجتمعي والقومي ومصالحها الحيوية، تبدأ بالإرهاب ولا تنتهي بالمخدّرات.
ووسط هذا التأزّم في المشهد الشرق أوسطي، أعادت الإدارة الأميركية الاندفاع في اتجاه المنطقة لمنع الصين من التوغّل أكثر فأكثر على حساب النفوذ الأميركي. وبعدما منعت القوات الأميركية محاولتين إيرانيّتين لاحتجاز ناقلات تجارية في المياه الدولية قبالة عُمان في 5 تموز، عمدت واشنطن إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة من خلال نشر قطع بحرية وجوية إضافية، فضلاً عن اعتزامها نشر عناصر من مشاة البحرية والبحرية على متن الناقلات التجارية الراغبة بذلك، لردع طهران من احتجازها، بالقوّة إذا لزم الأمر.
وطفا على «سطح الأزمات» أخيراً الخلاف على ملكية الثروات الطبيعية عند الحد الشرقي للمنطقة المغمورة المقسومة بين السعودية والكويت وإيران، لا سيّما حول حقل «الدرة» البحري الذي تؤكد الرياض والكويت أنهما المالكان الوحيدان لهذا الحقل، في وقت تتوعّد فيه طهران بمواصلة عمليات التنقيب في الحقل، حتّى من دون التوصّل إلى اتفاق. بالتزامن، يواظب «الحرس الثوري» الإيراني على عرض «عضلاته» العسكرية في مياه الخليج، مهدّداً أمن دول الجوار.
وفي هذا السياق، أطلق «الحرس الثوري» مناورات «الاقتدار» في جزيرة أبو موسى وفي محيط جزيرتَي طنب الكبرى وطنب الصغرى الأسبوع الماضي، متعهّداً الدفاع عن الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلّها بلاده، إضافةً إلى إطلاقه حملة دعائية رنّانة يدّعي خلالها أن طائراته وزوارقه المسيّرة وصواريخه مزوّدة بـ»الذكاء الاصطناعي»، فيما يُثير البرنامج النووي الإيراني وفشل المفاوضات في كبح جماحه قلقاً هائلاً بسبب الغموض المحيط به والمخاوف المتنامية من ارتفاع احتمالات تمكّن الجمهورية الإسلامية من الحصول على ما يكفي من المواد الانشطارية اللازمة لصنع سلاح نووي.
ومع تزايد المؤشّرات إلى إمكانية دخول الصين على الخطّ لإنقاذ اتفاقها المتعثّر من الانهيار في خضمّ مساعيها لإعادة تشكيل نظام دولي جديد، انخرطت الولايات المتحدة في محادثات حثيثة مع السعودية ستُمهّد، إن نجحت، لإطلاق حقبة جديدة في العلاقات الثنائية تنقلها إلى مستوى استراتيجيّ آخر، يُحقّق مكاسب جيوسياسية ودفاعية وأمنية وتكنولوجية وربّما «نوويّة» سلمية للرياض مقابل تطبيع علاقاتها مع تل أبيب، شرط حصول خطوات إسرائيلية ملموسة تجاه السلطة الفلسطينية. لا شكّ أن المنطقة تشهد تحوّلات متسارعة في ظلّ حركة «مدّ وجزر» في موازين القوى، سيتمخّض عن توازنها أو تصادمها ولادة شرق أوسط جديد.