وزير السياحة السابق أفيديس كيدانيان: الأرمن شعبٌ لا يعرف اليأس والاعتراف بالإبادة واجبٌ عالميّ

8 دقائق للقراءة
105 سنوات على الابادة وما زالت تركيا تنكر الاعتراف وما زال الأرمن رغم كلّ المعوقات مصممّين على انتزاع حقّهم من براثن الظالمين. كيف يعيش الأرمن ذكرى الإبادة وهل نال منهم اليأس؟ "نداء الوطن" حاورت وزير السياحة السابق أفيديس كيدانيان وعادت بالأجوبة التالية.


بعد 105 سنوات هل خفّ وهج القضية الأرمنية؟

إطلاقاً، بل تطوّر هذا الوهج بثباتٍ دائم عبر الزمن، ففي أوّل خمسين سنة تلت الابادة كان أرمن الشتات في وضعٍ يرثى له طبعاً، إذ كان الحزن طاغياً وكانت الآمال معقودةً على العودة الى الوطن الأم بعد فترةٍ وجيزة. طال الانتظار وتجاوز الأرمن الحداد والحزن نحو آفاقٍ جديدة، كالنضال الحثيث للعودة الى حضن الأراضي المسلوخة عبر إيصال الصوت الى المجتمع الدولي والعمل الدؤوب لنزع اعتراف عددٍ من برلمانات العالم بالإبادة، وصولاً الى تشكيل "لوبي" أرمني صلب ينشط في دول القرار كلّها. بتنا اليوم إذاً أكثر ايماناً بأنّ الظروف الاقتصادية أو السياسية قد تكون مؤاتية لقضيتنا يوماً ما وبالتالي لم نستسلم لليأس إطلاقاً ولم يخفّ الوهج أبداً، فنحن شعب لا يعرف اليأس!



اعترف عدد كبير من الدول بالمجزرة ولكن البعض ما زال رافضاً كالكيان الاسرائيلي مثلاً، رغم أنّه عانى "الهولوكوست".

في ما خص رفض اعتراف العدو الاسرائيلي بالإبادة بالرغم من معاناته "الهولوكست"، إننا على يقينٍ تام بأنّ هذه الأمور مرتبطة بالمصالح والاستراتيجيات السياسية وطابع العلاقات بين الدول. تعلّمنا عبر الزمن بأنّ الدول ليست "جمعيات خيرية"، فالسياسة برهنت عبر التاريخ بأنّها لا ترتكز على مفاهيم انسانيةٍ بحتة، بل على مصالح تحتّم دعم قضية دون سواها. إننا مدركون لهذا الواقع الذي يفرض نفسه على ساحات القرار ونتعامل مع الأمور من هذا المنظار.



نصب الابادة في بكفيا



هل يزعج الأرمن بأنّ اعتراف العرب بالمجزرة لم يتم إلا لحساباتٍ سياسية وبعد فترةٍ طويلة. سورية ومصر مثالاً؟

أبداً. لأنّنا أساساً منذ العام 1965 غيّرنا مقاربتنا في متابعة القضية، فقد أدركنا بأنّ المصالح الاستراتيجية لا علاقة لها بغبنٍ ألحق بمجموعة أو أفراد ما، وأنّ علينا إيصال صوتنا إلى العالم بشتى الوسائل، وما حصل بين 1973 و1983 من عملياتٍ وصفت بـ"الارهابية" آنذاك استهدفت مقرّات ودبلوماسيين أتراك خارج تركيا، كان هدفها لفت أنظار المجتمع الدولي إلى قضية محقّة، وقد علّمتنا الممارسة بإمكان تحقيق نتائج ملموسة في حال تلاقت قضية محقّة بمصلحة الدولة التي نجهد لانتزاع الاعتراف منها. وللدول العربية بدورها خصوصياتها، ويخضع اعترافها بالإبادة لأبعادٍ سياسية وليست لدينا أوهام بهذا الشأن.



لماذا تأخر الكونغرس الاميركي في الاعتراف بالإبادة وما مدى فعالية "اللوبي" الارمني في الولايات المتحدة؟

كما قلت سابقاً هذه الامور مرتبطة بظروفٍ ومكاسب آنية. ولعلّ تراكم الظروف أميركياً أثمر عن هذا الاعتراف. في نهاية المطاف نحن شعبٌ مؤمنٌ بأنّ العدالة ستتحقّق يوماً ما بغض النظر عن مسـألة "مرور الزمن"، وبالتالي نخوض معركة ضارية لفتراتٍ طويلة، وسننتزع حقنا، عاجلاً أم آجلاً. وسواء أتى الاعتراف مبكراً أم تأخّر لا يغير ذلك شيئاً في معادلتنا النضالية فالاعتراف بالإبادة واجبٌ إنسانيّ عالميّ.



... وفي أرمينيا



كيف السبيل لاقناع تركيا بالاعتراف، وهل نرى يوماً تطبيعاً حقيقياً للعلاقات بين أرمينيا وتركيا؟

ليست عندنا عصا سحرية لإقناعها، فتركيا اليوم تشبه تركيا السلطنة العثمانية، فهي تبرهن يوماً بعد يوم بأنّ نواياها توسّعية، وبأنّ لديها رغبة دفينة في الهيمنة حتى على الدول التي تزعم بأنّها على علاقةٍ مميّزة معها، فطريقة تعاطي السلطات التركية برئاسة أردوغان بمجمل القضايا العربية والاقليمية خير برهان على أنّه ما من وسيلةٍ لإقناعها بضرورة الاعتراف إلا عبر ممارسة ضغوط إقليمية ودولية كبيرة لفرض هذا الواقع عليها فرضاً. ولعلّ الوقت ليس مناسباً اليوم لتحقيق هذا الهدف المنشود، خصوصاً وأنّ تركيا لاعبٌ أساسي في الشرق الأوسط. ولكن هذا لا يثني من عزيمتنا، بل نحن ماضون في تدعيم وثائقنا التاريخية بالاثباتات الدامغة، بالتوازي مع دعم القضية سياسياً وديبلوماسياً. أما عن التطبيع بين أرمينيا وتركيا فيفترض الأمر عقد مباحثاتٍ صريحة بين الطرفين، ولكن هذا النداء لم يجد آذاناً صاغية من الحكومات التركيّة المتعاقبة. لا تطبيع للعلاقات حالياً بسبب التعنّت التركي الدائم.



لماذا لم تندثر الهوية الأرمنية في الأراضي المستضيفة للأرمن وهل تتقدّم الهوية الأرمنية على هوية البلد المضيف؟ وماذا عن ازدواجية الانتماء؟

هناك قرار ضمنيّ يتخذه كلّ أرمني بالحفاظ على جذوره وخصوصيّته. لا ننكر وجود حالاتٍ من الذوبان في البلد المضيف أحياناً، فلنقل إن 50% من الأرمن هم على طريق الذوبان في هوية البلد المضيف كلياً و50% منهم ما زالوا محافظين على هويتهم. أما عن ازدواجية الانتماء فهي مصدر فخر واعتزاز وعامل إثراء منقطع النظير وله ايجابيات كثيرة ونحن متمسّكون بلبنانيّتنا بمقدار تشبّثنا بهويتنا الأرمنية.





هل ما زال لبنان محطةً بالنسبة الى الأرمـن ينطلقون منه نحو بلدانٍ أخرى أم هو فعلاً وطن نهائي لهم؟


طبعاً هو وطن نهائي. فهذا مذكور بوضوح في مقدمة الدستور اللبناني. ونحن من المؤسسين في البلد، وموجودون فيه منذ العام 1920 ولسنا طارئين على البلد. طبعاً ثمّة أرمن انطلقوا من لبنان نحو دولٍ أخرى، ولكن حتى هؤلاء يعتبرون لبنان وطناً أساسياً وهم لا يشطبونه من ذاكرتهم بل تربطهم به علاقة انتماء وطيدة ومشاعر جياشة كونهم ترعرعوا في هذا البلد وبنوا فيه ذكريات لا تنسى والأرمن لا ينكرون فضل لبنان عليهم وحريصون على الحفاظ على ذكرياتهم في كلّ بلدٍ حلّوا فيه وشعروا أنه وطنٌ ثانٍ لهم مثل لبنان الحبيب.


عدد كبير من الأرمن هجر لبنان نحو أرمينيا أو بلدان أخرى بسبب الازمة الاقتصادية وتقلّص عدد الارمن في لبنان بشكلٍ ملموس. كيف نوقف هذا النزيف الأرمني لبنانياً؟

لا بل فلنسأل كيف نوقف النزيف اللبناني بشكل عام، لأنّ الظروف الاقتصادية والسياسية كلّها فرضت على اللبناني البحث عن أية بقعة آمنة ومستقرة اقتصادياً وسياسياً في الخارج والأرمن جزءٌ من هذه الفئات، ولعل قرب المسافة بين أرمينيا ولبنان والعلاقات المميزة بين البلدين، بالاضافة الى اتقان اللغة الأرمنية، كلّها عوامل سهّلت انتقال الأرمن إلى أرمينيا ولكن عدد هؤلاء يبقى محدوداً مقارنة بعموم اللبنانيين الذين يتركون لبنان سنوياً. ثمة استنزاف لطاقات لبنان بهجرة أبنائه نحو آفاقٍ واعدة وعلينا ايجاد طريقة لوقف هذا النزيف المؤلم بشكلٍ عام.





بعد أزمة الكورونا شهدنا تعزيزاً للهوية الوطنية تحديداً للجذور الأصلية وانغلاقاً للبلدان على ذاتها. هل نشهد هجرة أرمنية من بلدان الشتات الى الوطن الأم أرمينيا؟

لا ننكر أن عدداً كبيراً من الأرمن يقصدون أرمينيا حالياً، ولكن معظمهم يقوم بذلك بدافع السياحة أو بحثاً عن فرصٍ معيشية أفضل. ونشهد ارتفاعاً ملحوظاً للاستثمارات في أرمينيا التي باتت تجذب الأرمن واللبنانيين على حدّ سواء، كونها أرضيةٌ صلبة لمشاريع اقتصادية واعدة. لا أتصوّر أنّ أرمن الشتات سينتقلون الى أرمينيا بسبب "كورونا" بالضرورة، بل قد يفعلون ذلك حين تضيق بهم سبل الحياة، فيشعرون بأنّها "نافذة" تطلّ على مستقبلٍ آمنٍ وواعد. وليست تلك خاصية أرمنية بل هذا الشعور موجود عند كلّ الشعوب التي تعاني عدم استقرار اقتصادي أو أمني وتبحث عن مخرج.



الأرمن من أنشط الناس في الابقاء على ذاكرة حيّة، ولكنّهم مقلّون في انتاج أفلامٍ تحكي قضيتهم مقارنةً باليهود مثلاً، رغم وجود عدد كبير من الأغنياء في صفوفهم. ما سبب هذا التقصير؟


سؤال في محله. قد يعتبر الأمر تقصيراً، لكنّ الانتاج السينمائي أو الوثائقي في هذا المجال ليس معدوماً. الأرمن وقضيتهم بحاجةٍ ماسة الى مساهماتٍ ومساعداتٍ عينية لتأمين استمراريتهم والحفاظ على هويتهم، ومن هنا ثمة قضايا أهمّ من السينما تحتل أولويةً قصوى لدى كبار رجال الأعمال الأرمن وأثريائهم، كالمؤسسات التعليمية والكنائس والجمعيات الخيرية وما إلى ذلك. ربّما كانت حصة الأفلام والوثائقيات أقلّ، رغم إدراكي التام لأهمية السينما والوثائق، ولكنّني لا أرى في الأمر تقصيراً بل تقدّماً لأولوياتٍ معيّنة على أخرى ليس إلا.



كلمة أخيرة للأرمن في لبنان والخارج واللبنانيين أنفسهم والأتراك؟

ليست عندي أي كلمة أوجّهها للأتراك إلا التأكيد على أنّنا شعب يفتخر بمسيرته النضالية، وبولائه ووفائه لأي بلدٍ استضافه، ولبنان في مقدّمة تلك البلدان. فنحن شاكرون للبنان لإعطائنا فرصة لإعادة بناء ذاتنا في بلد استقبلنا برحابة صدر ومنحنا الحريّة الكاملة لممارسة عقائدنا من دون أي قيد أو شرط. هذا لا يعني طبعاً أن نتنكر لجذورنا، بل نحن نغتني بالانتماءين، وسنبقى نطالب بحقنا السليب مهما مرّ الزمن، فالإبادة موثقة تاريخياً والإنكار لا ينفع ونطالب تركيا بأن تنظر الى عمق هذه القضية بلا مواربة وتطوي هذا الملف الدامي، وأتمنى أن تؤتي جهودنا في مختلف أصقاع العالم ثمارها كي تندمل الجراح وكي لا يتكرّر هذا النوع من المآسي مع شعوبٍ أخرى.