"لبنان بين فدرالية الشعب وفدرالية الزعماء"

3 دقائق للقراءة
لبنان بين فدرالية الشعب وفدرالية الزعماء

«لبنان بين فدرالية الشعب وفدرالية الزعماء»، هو عنوان الكتاب الصادر عن «دار سائر المشرق» لمؤلفه د. نمر فريحه الذي يعالج فيه واقع النظام السياسي اللبناني الذي استُنزف ومات برأيه بعد تسببه بحربين أهليتين، وصراعات مستمرة منذ 1919 ذات طابع طائفي، وقد حان الوقت لطرح بديل عنه. والبديل هو نظام فدرالي - علماني يتم من خلاله تخطي الواقع الطائفي الذي يصبغ النظام الحالي.

يمهد الكاتب لموضوع الفدرالية باستعراض تاريخ لبنان السياسي المعاصر، ويشرح المحطات التي طرحت فيها مجموعات لبنانية الفدرالية والكونفدرالية مع بدء الانتداب وخلاله. كما يتوقف عند ظاهرة الفوبيا من الفدرالية خصوصاً من قبل فئات مثقفة ترفض حتى سماع مفهوم الفدرالية لأنها تربطها مباشرة بالتقسيم المختلف كلياً عنها. وفي تحليله للديمقراطية التوافقية التي يتغنى بها زعماء لبنان، اعتبر أنها من اختراعهم بهدف تقاسم المواقع والمصالح على حساب الوطن. وهذه الحالة أدت إلى عدم مساءلة المرتكب لأن طائفته هي الدرع الواقي لفساده. وهكذا أصبح النظام الطائفي مولّداً للأزمات والفساد في ظل غياب رجالات الدولة المترفعين عن المال، مقابل طغيان الفاسدين على الحياة السياسية. وبيّن الكاتب فشل مؤسسات الدولة، واستغلالها من قبل المسؤولين، ما أدى إلى الانهيار المالي والاقتصادي والتربوي. وضمن هذا الواقع، باتت اللامبالاة جريمة بحق الوطن، والتفكير خارج الصندوق ضرورة لا بد منها لاجتراح حل. لذلك هذا هو الوقت المناسب لطرح نظام جديد تستبدل بواسطته المركزية والطائفية بالفدرالية التي تجعل من كل مواطن مراقباً على أداء من يحكمه، لأنه يدفع الضرائب ويتوقع خدمات فعلية مقابلها لا وعوداً كاذبة. كما أن فصل السلطات الذي هو المبدأ الأول في الديمقراطية بات مغيباً في لبنان حيث تتداخل السلطات الثلاث مع بعضها البعض ما يزيد الفساد وينهي هيبة الدولة خصوصاً عندما يُشل القضاء، أو يخالف بعض أفراده القوانين علانية. كل هذا حوّل لبنان إلى دولة رخوة بحسب توصيف «ميردال».

ومن أهم عناصر الفدرالية المطروحة في الكتاب: الحفاظ على التقسيمات الإدارية الحالية، وتسميتها ولايات، وتبقى بيروت العاصمة ومركز الحكومة الفدرالية التي تدير أموراً وطنية يحددها الدستور، وخصوصاً الجيش والمال والسياسة الخارجية. وبالنسبة للولايات ينتخب سكان كل ولاية حاكمها وفريقه، ويدفعون الضرائب للولاية حيث تنفق على الخدمات التي يحتاجونها، مع نسبة ضئيلة منها للحكومة الاتحادية، وعدم اعتبار الطائفة عاملاً في الترشح والانتخاب والتوظيف، بل يتم التركيز على برنامج المرشح، وتعتمد الكفاءة في التوظيف. وهكذا لن تكون هناك أقليات وأكثريات لأنه لن يكون للعدد الطائفي أي دور على صعيد الولاية والوطن حيث يحق لكل مواطن الترشح في ولايته ولو كانت طائفته تشكل أقلية عددية فيها. كما يتم تطبيق الفدرالية من دون حرب وعمليات تهجير ومصادرة منازل وأراض. ويمكن حصول هذا الأمر في وقت قريب إذا كان اللبنانيون يشكلون مجتمعاً حضارياً كما يدعون، وإلا علينا الانتظار لجيل أو أكثر لتنمو ثقافة الفدرالية بصورتها السياسية والإدارية الصحيحة.