ليس مطلوباً من دول الخليج شرح الدوافع الى «تحذير» مواطنيها من البقاء في لبنان أو التجول في مناطق محددة. ولا يبدل في الأمر أن ترى بيروت التحذير صاعقة في سماء صافية، وتراه عواصم المنطقة حفاظاً على أمن مواطنيها تحت سماء تتجمع فيها غيوم محلية وعاصفة إقليمية. المطلوب من اللبنانيين التوقف عن الهرب من الوقوف أمام المرآة، والمبادرة الى وقفة مع الذات قبل أي وقفة مع الشقيق والصديق. فلا مهرب من سؤالين معلقين فوق رؤوسنا: لماذا على لبنان أن يهتز كلما هبت ريح في المنطقة؟ ولماذا عليه أن ينتظر التفاهمات والإتفاقات والمتغيرات في الإقليم وخارجه لكي يقوم بأبسط واجبات البلد العادي، وأبرزها إتمام الإستحقاق الدستوري في موعده بانتخاب رئيس للجمهورية؟ ولا بد من جواب جدي وعملي لبدء الخروج من المأزق. فهذه هي الخطيئة الأصلية السابقة لكل الأخطاء.
ذلك ان الشغور الرئاسي ليس نتيجة خلاف على شخص الرئيس بمقدار ما هو جزء من الخلاف على الجمهورية ومن يتحكم بها ومن أجل أي مشروع. ومعارك عين الحلوة تتجاوز كونها اشتباكات بين فصائل تنتهي بتهدئة كالعادة الى كونها مختصر صراع إقليمي معقد في حرب على مراحل لها اهداف في لبنان وخارجه. مأزق الرئاسة ليس الخيار الذي هو حق وطني وسياسي لأي طرف بل فرض الخيار كأنه قدر. فمعادلة «الثنائي الشيعي» عبثية: إصرار على خيار محدد، وسد الطريق على الإنتخاب الرئاسي في البرلمان. تعليق المؤسسات وتركها للإهتزاز والتحلل والإنهيار على أمل ربح الوقت لترتيب أصوات كافية لانتخاب الخيار. وعقدة الاشتباكات في عين الحلوة ليست فقط حرب تكبير او تصغير الدور في المخيم بين منظمة التحرير وبالتالي «فتح» وبين الفصائل الإسلامية المتشددة، بل هي أيضاً حرب التمدد للمشروع الإيراني العسكري «التحريري» على حساب السلطة الوطنية الفلسطينية وإصرارها على التفاوض ضمن «حل الدولتين».
وما يضيق الى مأزق الرئاسة وعقدة الإشتباكات الفلسطينية هو غياب الدولة التي تفرض سيادتها، والإكتفاء ببقايا سلطة جبانة متورطة في الفساد والسطو على المال العام والخاص، ومحكومة بمصالح المافيا وحسابات «الدويلة» المتعاظمة. فضلاً عن التطورات السلبية في العلاقات الإقليمية بعد أشهر من الرهانات الكبيرة في المنطقة على إتفاقات سابقة واعدة، وإن كانت رهانات اللبنانيين على أوهام. فلا اللاعبون في الداخل يبدون مستعدين لوقفة مع الذات، وتعلم دروس الأزمات المتعددة، والتسليم بالحاجة الى حل وطني على قياس المصلحة اللبنانية كما الى القيام بما يحول دون ان يصبح لبنان «منطقه صيد حرة» لكل المسلحين من جميع الجنسيات والحاملين إيديولوجيات ومشاريع خطيرة. ولا اللاعبون في الخارج هاجسهم لبنان، وسط اهتماماتهم الجيوسياسية الواسعة في العالم. والمخيف ان يصح فينا قول المتنبي:
من يَهُن يسهُل الهوانُ عليه
ما لجرحٍ بميتٍ إيلام