يشكّل تأكيد وزير الداخلية اللبناني القاضي بسام مولوي أنّ «حرصه وحرص حكومته على العرب الموجودين على الأراضي اللبنانية لا يقلّ عن حرصهم على اللبنانيين» مصدراً لمزيد من القلق لدى الدول التي حذّرت رعاياها من الوضع الأمني في لبنان.
فمثل هذا التأكيد لا يبعث على الاطمئنان مطلقاً. وواقع حال اللبنانيين لجهة الاتكال على الأمن المفترض أن توفره دولة ما لمواطنيها هو تحت الصفر من دون جدال. والأمر لا يحتاج إلى أدلة وبراهين.
ومجرد الطرح يبعث على السخرية. أمّا إذا لم يفهم المسؤولون عن البلد الأسباب الوازنة والموجبة للتحذير، فهذا يعنى أنّهم يتجاهلونها متعمدين، ويتعامون عن الواقع الأمني والاجتماعي اللبناني الغارق في الفوضى، ويتحايلون على تأثر لبنان وتفاعله مع التعقيدات الإقليمية، لا سيما بفعل انحسار موجات التفاؤل التي ولّدها الاتفاق السعودي/ الإيراني برعاية صينية، ومع تردي عملية التطبيع التي لم تكد تبصر النور بين السعودية والنظام الأسدي المتخلف عن الوفاء بأي من التعهدات التي كان قد التزم بها كشرط للمصالحة مع الدول العربية والعودة إلى جامعتها.
أو أنّ هؤلاء المسؤولين، وبناءً على التجارب السابقة، يعتبرون أنّ بقاء لبنان أسير هدنة هشة هو أمر طبيعي، وأنّ الاستحقاقات الداخلية كانتخاب رئيس للجمهورية قد لا تأتي إلا على نار حامية تفرض جر الجميع إلى طاولة الحوار وفق شروط الثنائي الشيعي ليفرض مرشحه بالإقناع الإرغامي، كما جرت العادة.
أو أنّ مسألة اشتباكات مخيم «عين الحلوة» هي حادث عابر لا لزوم لإعطائه حجماً أكبر من حجمه، ما دامت حدود اللعبة تتعلق بأجندة المحور، ورغبته بالسيطرة الكاملة على السلاح الفلسطيني، وإضعاف «حركة فتح» وتدجينها من الساحة اللبنانية المستباحة والمقدّر لها أن تبقى «صندوق بريد» ملتهباً على الرغم من شجب معالي وزير الداخلية ورفضه هذا الواقع... بالتالي لا لزوم لتضخيم تأثير هذه الاشتباكات، ولا شيء يستدعي القلق والهلع. فكل ما في الأمر لا يتجاوز بعض «الحوادث المحدودة» الأشبه بالجراحات الموضعية لزوم المرحلة.
أمّا ما يمكن أن يستجد من مناوشات أمنية، فهو ترجمة للضغط السياسي بغية تحريك جمود الاستحقاقات. وهذا تكتيك لا بد منه، وكأنّه تمهيد يعكّر مرحلة الهدوء التي تسبق عاصفة استحقاقات شهر أيلول المقبل، من دون أن ينسفها.
وبالطبع لن يتوقف المحور أو يهتم بتصريحات الوزير الحريص وبياناته ومؤتمراته الصحافية، لأنّ الحسابات التي تتحكم باللعبة الأمنية تفوق حجم الوزارة والحكومة والدولة بقدها وقديدها.
وهذه الحسابات تتطلب الترويج لاعتبار تحذير المملكة رعاياها نوعاً من أنواع «الحركات» المكشوفة لدى محور الممانعة، وهي لا تخرج عن مخططات «الشيطان الأكبر» الرامية إلى «القضاء على المقاومة»... لا سيما مع إصرار المملكة على الالتزام بتوصيات اجتماع اللجنة الخماسية الأخير في الدوحة. وغني عن التذكير بأنّ التوصيات المتعلقة بالإصلاح والسيادة هي قمة المؤامرة على المحور الممانع.
وبناء عليه، يمكن اعتبار تصريحات الوزير مولوي شكليات ساذجة. فالحرص ما لم يقترن بالقدرة، التي يحتكرها المحور، لا يقدم أو يؤخر. كذلك عقد سلسلة من الاجتماعات لمجلس الأمن المركزي لمراجعة الوضع الأمني في البلاد من نواحٍ عدة، أو تقديم الجيش تقريراً مفصّلاً عن واقع المخيمات.
ولا لزوم لتذكير الوزير بأنّ مصالح المحور تفرض أولوياتها وفق متطلبات خط النار الإقليمي. وحرصه على «الإخوة العرب» لا يبعث على الاطمئنان مطلقاً، وتحديداً لأنّ معاليه استخدم معيار دولتنا العلية لمفهوم الحرص على اللبنانيين. فهذا المفهوم فارغ المضمون من أساسه. فالحريص أعجز من أن يواجه «الحرقوص» القابض على مفاصل الأمن والسيادة.