الرضيع يفهم عناق والديه!

5 دقائق للقراءة

تكون أول سنة من حياة الطفل بالغة الأهمية في مسار نموه عاطفياً وفيزيولوجياً. في هذه الفترة أيضاً، يعجز الطفل عن استعمال اللغة الشفوية، لذا نجهل الكثير بعد عن طرق نشوء الروابط بين الطفل ووالديه.

يبدو أن اللمس له دور محوري في هذا التواصل الذي يسبق تعلّم اللغة، وقد نشر علماء من جامعة "توهو" في طوكيو، اليابان، نتائج دراستهم التي تحتسب طريقة تجاوب الطفل الرضيع مع العناق. يقول المشرف الأول على الدراسة، ساشين يوشيدا: "على غرار معظم الأهالي، نحب جميعاً أن نعانق أولادنا. كنا نعرف أن الأطفال يحبون عناق أهاليهم، لكننا تفاجأنا من قلة معلوماتنا عن العناق".

يهدأ إيقاع قلب الطفل في شهره الرابع حين يعانقه أحد والديه أو الشخص المسؤول عن الرعاية به. لكن لا يعطي حَمْل الطفل لإطعامه أو نقله إلى مكان آخر الأثر نفسه، ولا حتى الاحتضان القوي. نشر الباحثون نتائجهم حديثاً في مجلة "ساينس".

سلوكان مختلفان

بشكل عام، تذكر الدراسة أن الوالدَين يحملان الطفل أو يعانقانه لسببَين مختلفين. يشير حمل الطفل إلى وضعية وظيفية تهدف إلى إطعامه أو أخذه إلى مكان آخر. أما العناق، فيختلف سببه بالكامل. إنه تعبير عاطفي عن "الفرح والحب والسعادة والدفء".

يشمل السلوكان الضغط بدرجة معينة على ظهر الطفل. لكن يتساءل الباحثون: هل يفهم الطفل معنى ما يحصل أم يبدي بكل بساطة ردة فعل إيجابية تجاه الضغط؟ وفي هذه الحالة، هل يرحّب بأي مستوى من الضغط ويتقبّله من أي شخص؟

يرتفع معدل ضربات القلب التبادلي حين يتراجع معدل ضربات القلب الطبيعي، ويعتبر الباحثون ارتفاع مستواه مؤشراً الى زيادة استرخاء الطفل الرضيع، ما يعني أنه يبدي ردة فعل إيجابية.

قاس العلماء معدل ضربات القلب التبادلي لدى أطفال رضع حين حملهم أهاليهم أو غرباء أو عانقوهم أو احتضونهم بقوة. في كل حالة، أخرج الكبار الطفل من مهده لحمله أو معانقته أو احتضانه بقوة طوال 20 ثانية قبل إرجاعه إلى وضعه السابق. تعقبت ثلاثة أقطاب كهربائية وَصَلها الباحثون بالطفل لتخطيط قلبه معدل ضربات القلب التبادلي فيما راقب مقياس التسارع بيانات حركته. شملت الاختبارات أمهات الأطفال بشكل عام، مع أن الآباء شاركوا أيضاً.





نتائج التجربة

حين كان الآباء والأمهات يعانقون أطفالهم بعد الشهر الرابع، لاحظ الباحثون أن قياسات معدل ضربات القلب التبادلي ارتفعت، ما يعني أن الطفل اعتبر العناق مهدئاً. رصد العلماء زيادات مشابهة في ذلك المعدل لدى الآباء والأمهات أيضاً. لكن لم يُسجّل أثر مماثل حين اكتفى أحد الأبوين أو شخص غريب بحمل الطفل. وخلال الأحضان القوية، لم يلاحظ الباحثون أي تغير إيجابي في تلك المعدلات.

قد يعتبر الناس العناق نوعاً غير شفوي من التواصل الاجتماعي بين الطفل ووالديه أو من يعتنون به، لكنّ الباحثين رصدوا أدلة مفادها أن أثر العناق المهدئ قد يكون متبادلاً. يوضح يوشيدا: "سجّل الأهالي أيضاً زيادة كبيرة في الفترات الفاصلة بين ضربات القلب عند معانقة أطفالهم، ولاحظنا أن الأطفال والأهالي معاً يسترخون بفضل العناق".

قبل الشهر الرابع، لاحظ الباحثون أن حمل الطفل يكون مفيداً بقدر معانقته، إذ يزيد معدل ضربات القلب التبادلي في الحالتَين معاً، ما يعني أن الأطفال الرضع لا يميزون بين السلوكَين.

عناق الغرباء مختلف

في ما يخص طريقة تجاوب الأطفال مع اهتمام الغرباء، يختلف الوضع قليلاً، أقلّه في مجموعة الأطفال الأكبر سناً في الدراسة. يقول يوشيدا: "سجّل الأطفال بعد الشهر الرابع زيادة أعلى في معدل ضربات القلب التبادلي عندما عانقهم أهاليهم مقارنةً بعناق نساء غريبات".

تذكر الدراسة بحثاً سابقاً يدعم هذه الفكرة: حين يصبح الطفل في أسبوعه الثاني عشر، يمكنه أن يُميّز بين والديه ومربّيته وشخص غريب. حتى أن تناغم الأنماط الصوتية والنظرات وإيقاعات القلب قد يبدأ بالظهور بين الشهرين الثالث والخامس.

يكشف بحث جديد أن الطفل منذ الشهر الرابع يستطيع التمييز بين عناق والديه وعناق شخص غريب!


أثر العناق في الأوقات العصيبة


كان مفاجئاً أن ينطبق مستوى معدل ضربات القلب التبادلي على الطفل الذي لا ينشغل بالبكاء أو لا يكون مزاجه معكراً. لكن حين يكون الطفل مستاءً، تذكر الدراسة أن العناق لن يفيد على الأرجح.

يقول هيروماسا فوناتو الذي شارك في الإشراف على الدراسة: "نظراً إلى هذه الملاحظة المستجدة، نظن أن البيانات التجريبية التي تشير إلى الآثار المهدئة للعناق بين الأطفال وأهاليهم بقيت حلقة مفقودة لفترة رغم وجود أدلة ظرفية كثيرة عليها". في مطلق الأحوال، تعتبر الدراسة العناق الدافئ أداة قوية وفاعلة للتعبير عن العاطفة بين الطرفين.

في النهاية، يستنتج يوشيدا: "يحب الطفل أن يعانقه الآخرون. قد يعجز عن الكلام في هذا العمر، لكنه يتعرف الى والديه عبر أساليب تربوية متنوعة، منها العناق، بعد الشهر الرابع على أبعد تقدير. نتمنى أن تتراجع أعباء الناس الجسدية والنفسية المرافِقة للاعتناء بالأطفال قبل تعلّمهم النطق حين يعرفون ما يشعر به الطفل عند معانقته"!