آدم راسغون

الزعيم الفلسطيني الذي نجا رغم موت فلسطين

9 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

حسين الشيخ خلال جنازة رئيس الوزراء الفلسطيني السابق أحمد قريع في رام الله في الضفة الغربية | 22 شباط ٢٠٢٣

دخل السياسي الفلسطيني حسين الشيخ إلى غرفة مؤتمرات محصّنة في مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب، في شباط 2022. لا يدخل عدد كبير من الفلسطينيين إلى عقر دار الجيش الإسرائيلي، لكن يتذكّر الشيخ أن كبار ضباط الجيش وقادة جهاز استخبارات «الشاباك» السرّي رحّبوا به هناك. الشيخ هو الوسيط الأساسي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في الضفة الغربية المحتلة. هو يجيد اللغة العبرية بطلاقة، ويرتدي بدلات أنيقة، ويدعو الجميع إلى التعاون مع إسرائيل بدل الاشتباك معها.

يُعبّر سماسرة السلطة الإسرائيليون عن إعجابهم بالشيخ، باعتباره شريكاً براغماتياً يبرع في إيجاد قواسم مشتركة بين الطرفَين. يقول عنه مسؤول أمني إسرائيلي متقاعد: «هو الرجل الذي يمثّلنا في رام الله». في المقابل، يظنّ عدد كبير من الفلسطينيين أن مقاربته رسّخت وضع الصراع الراهن، وهو عبارة عن احتلال عسكري لامتناهٍ دخل الآن عقده السادس.

في الأشهر الأخيرة، ركّز الشيخ على إعادة إرساء الهدوء بعد وقوع اشتباكات مسلّحة هي الأكثر دموية منذ الانتفاضة الثانية. هذه السنة، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 140 فلسطينياً، من مسلّحين ومدنيين. وقتل المعتدون الفلسطينيون 25 إسرائيلياً على الأقل، معظمهم من المدنيين.

يؤكّد تصاعد أعمال العنف انتشار اليأس بين الفلسطينيين. لم يسبق أن صوّت الشباب الفلسطيني في أي انتخابات وطنية، ومع ذلك تبدو النخبة السياسية أكثر تركيزاً على معرفة بديل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بدل الانشغال بإصلاح النظام الشائب. في غضون ذلك، يحظى المسلّحون الذين يواجهون الجنود الإسرائيليين في البلدة القديمة في نابلس أو مخيّم جنين للاجئين بشعبية يحلم بها قادة السلطة الفلسطينية من أمثال حسين الشيخ.

تنشر مظاهر المحسوبيات المتفشية في الوزارة التي يتولاها الشيخ مشاعر البغض في كل مكان، لا سيّما وسط الفلسطينيين في الضفة الغربية، إذ يعيش السكان هناك في خوف دائم من ترحيلهم إلى غزة لأن بطاقات هويتهم تذكر أنهم يعيشون في منطقة محاصرة. طوال سنوات، لم تكن إسرائيل تسمح بتبادل السكان بين الضفة الغربية وغزة، ما يجعلهم معرّضين للترحيل. صرّح الشيخ للمسؤولين الأميركيين بأن إسرائيل أقرّت بعض الاستثناءات لصالح عدد من المسؤولين «كخدمة لقادة السلطة الفلسطينية»، وفق وثيقة دبلوماسية أميركية تمّ تسريبها في العام 2009.

في العام 2021، أعلنت الحكومة الإسرائيلية السابقة أنها تتّجه إلى تحديث عناوين آلاف الفلسطينيين، ما يُخرجهم من حالة الجمود التي عاشوها طوال سنوات. تجمّعت أعداد هائلة منهم في مكاتب الأحوال المدنية لتحديث وثائقهم، لكن تلطّخت هذه العملية بتُهَم المحسوبيات.

مع ذلك، قد تطرح المزاعم المرتبطة بسوء تعامل الشيخ مع النساء أكبر التحديات التي تمنعه من استلام منصب عباس. تعود معظم الفضائح في هذا المجال إلى السنوات السابقة، لكنها شوّهت سمعته في مطلق الأحوال. قد يكون جزء من القصص المتداولة مجرّد شائعات لا أساس لها، لكن تكشف حالة واحدة على الأقل إلى أي حدّ يفلت كبار المسؤولين من العقاب. رُفِعت شكوى رسمية بعد سوء تعامل الشيخ مع موظفة في مكتبه، في العام 2021، لكن انتهت القضية بدفع مبلغ 100 ألف دولار لإسكات الضحية، كما كشف مسؤول فلسطيني كان مطّلعاً على القضية حينها.

رفض الشيخ في مقابلته مع صحيفة «فورين بوليسي» الردّ على تلك المزاعم بالتفصيل، وقال إنه لن يهدر وقته على «كلام تافه». كان يتوقع على الأرجح أن يتلقى أسئلة عن تلك التُهَم، لذا قال منذ بداية المقابلة إنه لن يجيب عن أي أسئلة لا تعجبه.

في الأوساط العامة، لا تكفّ الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية عن الشجار بسبب الاختلافات السياسية بينهما. لكن يحافظ المسؤولون في المعسكرَين على ما يسمّيه أحد الدبلوماسيين «زواجاً كاثوليكياً» لمنع انهيار الوضع الراهن الذي يفضّله الطرفان حتى الآن.

لكن في ظل تصاعد مشاعر الاستياء وسط الرأي العام الفلسطيني في ربيع العام 2022، بعد اندلاع اشتباكات قاتلة بين المسلحين وقوات الأمن الإسرائيلية، هدّد عباس في أوساطه الخاصة بتجميد «التنسيق الأمني»، وهي سياسة لا تحظى بشعبية واسعة وتسمح للسلطات الفلسطينية والإسرائيلية بتقاسم المعلومات الاستخبارية لقمع الناشطين الفلسطينيين. إذا نفّذ عباس تهديده، فقد تتصاعد أعمال العنف في المرحلة اللاحقة.

لجأ المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون إلى حسين الشيخ لإقناع الرئيس بالتراجع. لطالما أدّى دور الوساطة بطلبٍ من الدبلوماسيين، نظراً إلى علاقته الوثيقة مع عباس، بالإضافة إلى استعداده الدائم لتقديم التنازلات. يقول مسؤول أميركي: «عندما تحتدم المشاكل، هو الشخص الذي نلجأ إليه لتهدئة الوضع». هو يعتبر «مروّض» عباس.

أجرى الشيخ محادثات هادئة مع المسؤولة البارزة في وزارة الخارجية الأميركية، باربرا ليف، فأبلغته هذه الأخيرة بأن إسرائيل تعهّدت وقف هدم المنازل حتى زيارة جو بايدن في شهر تموز الماضي. استعمل الشيخ ذلك الاقتراح لإقناع عباس بعدم تنفيذ تهديده.

في غضون ذلك، يبقى نظراؤه الإسرائيليون على تواصل دائم معه، فهم يعتبرونه شريكاً جديراً بالثقة لتحسين شبكات الخلايا الفلسطينية، وهي عملية تتطلّب موافقة إسرائيل، ولنقل رسائل القادة الإسرائيليين إلى عباس، فضلاً عن أداء مهام أخرى. يقول سامر السنجلاوي، ناشط في حركة «فتح»، إن المسؤولين الإسرائيليين لم يكفّوا عن الاتصال بالشيخ خلال رحلة عبر صحراء الأردن قبل عقد ونصف: «لم يكن مستوى الاتّصالات التي جمعته بالجيش الإسرائيلي طبيعياً. حتى أفضل الأصدقاء لا يتبادلون الكلام بهذا الشكل».

يقول مايكل ميلشتاين، ضابط متقاعد في الاستخبارات الإسرائيلية قابل الشيخ في بعض المناسبات: «هو يعطينا انطباعاً دائماً بأنه يملك مفتاح الحل، وكأنه يقول لنا: «إذا أبرمتُ اتفاقاً معكم بشأن محطة كهرباء فرعية في جنين أو أي موضوع آخر على صلة بالتنسيق الأمني، فاعلموا أن المسألة حُسِمت».

لكن يظنّ عدد كبير من الفلسطينيين أن الشيخ يتصرّف بحسب الشروط التي تفضّلها إسرائيل، ما يعني أنه ينتزع تنازلات تدريجية تضمن تحسين الحياة اليومية، لكنه لا يُقرّب الفلسطينيين من نيل استقلالهم. يقول السنجلاوي: «هو شخص براغماتي، لكنه يفتقر إلى البراغماتية القادرة على تحقيق نتائج ملموسة».

في أواخر العام 2022، وافق الشيخ على خطوة أثارت سخط الفلسطينيين، وهي تقضي بدفع الإيجار إلى إسرائيل مقابل أراضي الضفة الغربية التي يعتبرها الفلسطينيون محتلة. كانت تلك الخطوة تهدف في الأساس إلى إنشاء مصلحة جمارك فلسطينية في بلدة ترقوميا، في الضفة الغربية، ما يمنح الفلسطينيين هامشاً متزايداً من السيادة عبر استئجار الأرض من إسرائيل. تعليقاً على الموضوع، يقول مسؤول في مكتب الشيخ رفض الإفصاح عن اسمه لتجنّب العواقب: «شعرتُ بذهول تام. نحن نتكلم هنا على أرضٍ محتلة. لو نُفذّت هذه الصفقة على أرض الواقع، أظنّ أنها كانت لترسّخ سابقة خطيرة جداً».

يقول الشيخ من جهته إنه وافق على استئجار الأراضي بموجب اتفاق مدّته 99 عاماً، واعتبر ذلك الجزء من الاقتراح «غير مُسبّب للمشاكل». لكنه يعترف بأن الاتفاق فشل لأن إسرائيل رفضت دخول التبغ والكحول إلى المركز، بما أن استيراد هذه المنتجات يزيد عائدات خزينة السلطة الفلسطينية.

يواجه أي فلسطيني ينتقد قرارات كبار المسؤولين، من أمثال الشيخ، تهديدات وحملات ترهيب مدروسة. في تشرين الثاني 2020، أعلن الشيخ أن الحكومة استأنفت تنسيقها مع إسرائيل رسمياً، بما في ذلك تطبيق استراتيجية يكرهها معظم الشعب وتقضي بالتعاون مع إسرائيل لقمع المسلحين. قدّمت مذيعة الراديو، أسيل سليمان، من إذاعة «راية إف إم» في رام الله، مناجاة فردية ضد الشيخ الذي كان قد أعلن للتوّ أن قرار استئناف التنسيق مع إسرائيل يشكّل «انتصاراً عظيماً لشعبنا الفلسطيني». قالت سليمان بنبرة غاضبة: «جعل الله هذا المساء جحيماً على من باع وخان ونسّق، ثم أعلن ذلك نصراً. يا له من موقف ساذج»!

رداً على هذا الكلام، يقول مسؤول فلسطيني اطلع على تلك الحادثة إن الشيخ اتصل بمالك الإذاعة وطالبه غاضباً بـ»إصلاح الوضع». هو أصرّ أيضاً على أن تنشر الإذاعة مقالة تدعم استئناف العلاقات الثنائية. رضخت وسيلة الإعلام لهذه المطالب ونشرت افتتاحية تدافع فيها عن القرار الأخير. لكن ينكر الشيخ اطلاعه على هذه الحادثة. يدرك مؤيدو الشيخ الأميركيون أنه يواجه مشكلة محلية على مستوى صورته أمام الشعب. في تشرين الأول الماضي، دعا مسؤولون أميركيون الشيخ (بدل رئيس الوزراء الفلسطيني) إلى زيارة واشنطن لمقابلة المسؤولين الأميركيين، بمن في ذلك مستشار الأمن القومي جيك ساليفان. يقول مسؤول في الإدارة الأميركية: «لا شكّ في أنه أراد المجيء لتعزيز مصداقيته داخل السلطة الفلسطينية، ونحن أردنا حضوره لمنحه بعض الشعبية».

طالما تهدف السياسة الأميركية إلى التمسّك بأمل إقرار حل الدولتَين بعد سنوات من الجمود، فستحتاج واشنطن إلى شخصيات مثل الشيخ. يضيف المسؤول الأميركي: «هو يحاول منع سقوط هذا البرج المنهار. هو يدرك حدود الأميركيين وحدود الإسرائيلييـــــــــــن». لكن لا بدّ من التساؤل: إلى أي حدّ لا يزال يفهم حدود الفلسطينيين؟ بغضّ النظر عن هوية من يستلم مقاليد السلطة من الرئيس الثمانيني، من الواضح أن الزعيم المقبل سيقود سلطة فلسطينية تشوبها مشاكل عميقة. تتوقع المسؤولة الفلسطينية السابقة، حنان عشراوي، أن يرث الرئيس المقبل وضعاً شائكاً حيث «تتابع إسرائيل قتل الناس، وهدم المنازل، وتوسيع المستوطنات، وضمّ الأراضي»، وأن يتعامل في الوقت نفسه مع إرث حكومة استعملت قوتها المحدودة «كي تقمع شعبها وتظلمه».

يقول محظوظ شلالدة، أستاذ عمره 39 عاماً من بلدة بالقرب من الخليل، في جنوب الضفة الغربية، إن آمال طلابه في الصف العاشر بعيش مستقبلٍ أفضل تتلاشى مع كل سنة جديدة، فهم يشعرون بأنهم عالقون «بين مطرقة الاحتلال وسندان السلطة. الاحتلال يخنقنا، والسلطة الفلسطينية تمارس جميع أنواع الفساد التي يمكن تصوّرها. لقد أُغلِقت جميع أبواب الأمل في وجهنا».

أخيراً، يعترف الشيخ بأن شريحة واسعة من الفلسطينيين لم تعد تصدّق أن حكومته ستحرّرهم من الاحتلال الإسرائيلي. لكن هل سيكون هذا الواقع كافياً لإقناعه بتغيير مساره؟ هو يضيف قائلاً: «الناس فقدوا الأمل طبعاً. لكن بصفتي مسؤولاً وزعيماً، لا يمكنني أن أفقد الأمل مثلهم».