تقف الجغرافيا المشرقية اليوم، من القدس إلى بيروت، أمام مقصلة تاريخية لا ترحم، حيث يتشابك "المقدس" التوراتي والقرآني مع "المدنس" السياسي الاستعماري في مشهد سريالي يتجاوز حدود المنطق. يروج الخطاب الصهيوني، الذي أسس له منظرون مثل "بن تسيون نتنياهو" و"زئيف جابوتنسكي"، لفكرة "الحق التاريخي المطلق" واعتبار اليهود "الشعب الأصلي" العائد إلى أرضه، وهو ما يضعه المؤرخ اللبناني الراحل كمال صليبي في ميزان النقد الجريء، معتبراً أن الجغرافيا التوراتية قد زُيفت أو انزاحت عن مسارها الأصلي، بينما كشف المؤرخ الإسرائيلي "إيلان بابيه" في "التطهير العرقي لفلسطين" أن قيام الدولة لم يكن عودة نبوية بقدر ما كان مشروعاً كولونيالياً لاقتلاع سكان أصليين (بمسلميهم ومسيحييهم) الذين يمثلون الاستمرارية الجينية والتاريخية للكنعانيين واليبوسيين.
هذا التزييف التاريخي ينسحب على طبيعة النزاع؛ فبينما يُراد له أن يبدو "إسلامياً-يهودياً" لتبرير الحشد الميتافيزيقي، نجد أن الدول الإسلامية الكبرى كباكستان النووية وتركيا "الكمالية" تغلّب "واقعية الدولة" ومصالحها القومية على "رومانسية العقيدة"، تاركة المشرق العربي وحيداً في مواجهة مشروع "إسرائيلي" يلفظ اليوم "حل الدولتين" كما يلفظ الجسم الغريب أي عضو لا يتلاءم معه. تصريحات قادة إسرائيل اليوم، وفي مقدمتهم نتنياهو، لم تعد تترك مجالاً للشك: لا دولة فلسطينية، والبديل هو "الأبرتهايد" أو الإدارة الأمنية خلف جدران فاصلة كلفت المليارات، لتتحول إسرائيل إلى "قلعة معزولة" تعتاش أيديولوجياً وأمنياً على الحروب الدائمة، وتعتبر احتلال جنوب لبنان جزءاً من "حزام أمني" توسعي يتجاوز حماية الشمال ليصل إلى الهيمنة على الموارد المائية والجغرافيا الاستراتيجية.
وفي وسط هذا الإعصار، يجد لبنان نفسه محشوراً في "بيت الياك" أو في عنق زجاجة قاتلة؛ فالعماد جوزف عون، الذي يمثل المؤسسة العسكرية والرمق الأخير للدولة، يواجه معضلة وجودية غير مسبوقة. تضغط الولايات المتحدة باتجاه مفاوضات مباشرة مع نتنياهو لفرض "سلام أمر واقع" وحصر السلاح بيد الجيش، وهو مسار يبدو في ظاهره إنقاذياً، لكنه في جوهره فخّ سياسي قد يعزل لبنان عن عمقه العربي التاريخي. وهنا يبرز الدور المحوري للمملكة العربية السعودية، "بيضة القبان" والضمانة الوحيدة لإعادة النهوض والإنعاش. الرياض، التي تقود المفاوضات من منطلق "المبادرة العربية للسلام"، تشترط حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية كمدخل إلزامي للاستقرار، لكنها في الوقت عينه ترفض أي "سلام منفرد" أو خروج لبناني عن السرب العربي، لأنها تدرك أن قوة لبنان في انتمائه لا في انعزاله.
المعضلة اللبنانية تتعقد حين يصر "حزب الله" والعمق الإيراني على أخذ البلاد رهينة لساحات خارجية، رافضين تسليم السلاح أو الانخراط في "دولة" حقيقية، ما يضع لبنان أمام خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع للمطالب الدولية بمفاوضات مباشرة قد تفتت الداخل اللبناني وتفقده الغطاء السعودي الحيوي، وإما البقاء في حالة "الساحة المفتوحة" التي تستنزف البشر والحجر. الحل الوطني الوحيد والسيادي يكمن في "خريطة طريق" شجاعة تبدأ باعتراف الجميع بأن مصلحة لبنان العليا تكمن في علاقة عضوية ومميزة مع السعودية، القادرة وحدها على ضخ الحياة في الشرايين اللبنانية المتهالكة، شريطة أن يبادر اللبنانيون إلى استعادة قرارهم السيادي عبر تطبيق القرارات الدولية (1701 و1559) ليس استجابة لإسرائيل، بل صوناً للبيت اللبناني من التفتت.
إن إنقاذ لبنان يمر عبر فك الارتباط الضروري بين أزمته الداخلية وبين تعقيدات القضية الفلسطينية التي تتجه نحو انسداد تاريخي بقرار إسرائيلي. على لبنان أن يختار "منطق الدولة" الذي تمثله المؤسسة العسكرية وتحتضنه الرياض، بعيداً عن "منطق الميليشيا" العابر للحدود. الموقف السعودي من الميليشيات في كل العالم العربي، من اليمن إلى السودان وصولاً إلى لبنان، هو موقف مبدئي يرى فيها "ثقوباً سوداء" تبتلع السيادة؛ لذا فإن الانعاش السعودي للبنان ليس مجرد "شيك على بياض"، بل هو عقد اجتماعي وسياسي يقوم على "الدولة مقابل الاستقرار". في نهاية المطاف، سيبقى لبنان رهينة القلق طالما ظل التاريخ يُكتب بمقصلة "وحدة الساحات" لا بمبضع "وحدة المصير" مع الأشقاء العرب، وطالما ظلت السيادة اللبنانية تنتظر "إذناً" من الخارج لتكون سيدة نفسها.