في جوار كنيسة مار أنطونيوس، استشهد فادي بجّاني، من أمضى شبابه مدافعاً عن بلدته ومجتمعه ووطنه. عاش مناضلاً مقاوماً في زمن الحرب، ليرحل شهيداً في أوقات السّلم المُخادع. رفض أن ينال منه أي مرضٍ خبيثٍ أو شيخوخة. أراد أن يُكَلّل بتاج الغار، أن يرتفع إلى العُلا من مفترق الكحّالة، الطريق الأقرب إلى سجلّات الشرف والتضحية. من المكان الذي ينغل فيه التاريخ الراسخ والحاضر في ذاكرة المقاومين اللبنانيين الأحرار. من كوع خطير أسقط على هوامشه كل الاحتلالات والمنظّمات التي مرّت من هناك.
في يوم اللقاء الأخير وقبل الوداع الأبدي، استقبلت الكحّالة جثمان ابنها فادي عند الحادية عشرة من قبل ظهر أمس، وسط حضور حاشد، محمولاً على الراحات وفوق أكتاف الرّجال، وتصفيق وزغاريد النّساء وإطلاق المفرقعات وبعض الأعيرة النارية في الهواء. شُيّع «أبو يوسف» في مأتمٍ شعبيّ غير رسميّ، بين أهله ورفاقه وأبناء بلدته وجوارها من مختلف الانتماءات السياسية. وقد أرسل عدد من الأحزاب والنوّاب أكاليل من الزهر، أبرزها من «القوّات اللبنانية»، «الكتائب اللبنانيّة»، «التيّار الوطنيّ الحرّ»، «حزب الوعد»، وأصدقاء بجّاني.
كذلك حضر سياسيون والتزموا بما تمنّته عائلة الشهيد، لا بروتوكولات، لا تصريحات إعلامية، لا خطابات ولا كلمات. وحدها الشهادة ووقفة فادي البطولية وهيبة وجلالة الحدث تكلّمت. عُلّقت صوره على مراكز الأحزاب في الكحّالة. حزنٌ بطعم الأمل والرّجاء والوحدة. إسمه المحفور في وجدان الكحّالة، دخل اليوم وجدان وذاكرة كلّ من يريد الخلاص للبنان، ومن يرفض الهيمنة والاستقواء بسلاح خارج عن مفهوم الدولة وكنفها ومنطقها.
ارتفعت صورة الشّهيد على مدخل الكنيسة، لم تؤثّر بها الاتهامات والحديث عن ميليشيات ومخطّطات وغيرها من «معزوفة التخوين». ترأّس راعي أبرشية بيروت المارونية المطران بولس عبد الساتر الجنازة، مشيداً بصفات بجّاني وتاريخه النّضالي. قال إنّ «فادي أحبّ بلدته الكحّالة حتى بذل نفسه من أجلها وها هي اليوم مجتمعة حول عائلته بصغيرها وكبيرها لتصلّي وتعزّي وتساند. حمل القضيّة باكراً وتعرَّض للخطر مرّات ومرات. وأحبَّ وطنه فكرَّس ذاته لأجله مضحيّاً بسنين شبابه وبراحة عائلته وسلامها. لم يعرف الراحة والاستقرار لسنين طويلة ليكون الاستقرار للبنان والأمان والسلام لأهله. كان أميناً لعقيدته وحزبه وقائده فكان موضع ثقة الكثيرين». تابع: «أحبَّ زوجته وأولاده فأحبّوه وكانوا إلى جنبه حتى الأخير. أحبّوه بانتظارهم له في أيام الحرب السوداء وبصلاتهم لساعات لأجل عودته إليهم سالماً. أحبّوه بفرحتهم به حاضراً بينهم وبمرافقتهم له في كلِّ مراحل مرضه ليل نهار».
وعلى عكس تصريحات بعض السياسيين والمحرّضين على التهديد والوعيد وقطع الأيادي، اعتبر عبد الساتر أن ما حصل «هو مأساة وطنيَّة لا يجب أن تتكرَّر أبداً ولأيّ سبب كان. كفانا موتاً وحزناً وسواداً. كفانا دموعاً وترمّلاً وتيتّماً». وتوجّه إلى جميع المسؤولين السياسيين والحزبيين والأمنيين مطالباً إيّاهم «بزيادة الجهود لتحقيق الأمن لكلِّ مواطن في بيته وفي بلدته، في النهار وفي الليل، وأخذ الإجراءات الوقائية التي تمنع اللجوء إلى السلاح والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد أو المنطقة الواحدة. إننا نطالبهم بدعم وتفعيل القضاء حتى يصل كل صاحب حق إلى حقه بالسبل الصحيحة».
وختم راعي أبرشية بيروت محذّراً أنّ «الفتنة تترصّدنا وشعبنا منهك والحرب شرٌّ متفلّت لا يمكن لجمها». ودعا الجميع إلى «ضبط النفس والتفكير في لبنان أولاً. ونطلب من كلِّ زعيم وقيادي ونائب ووزير ورئيس بلديّة ومختار العمل الحثيث على منع الاحتقان الطائفي وعلى نبذ الأحقاد ورفض التعصّب المناطقي والحزبي والديني والعيش معاً متساوين في الحقوق والواجبات بكلِّ كرامة في الوطن الرسالة، لبنان».
ثمّ أخرج النعش وسُجيَ عند كوع الكحالة لبعض الوقت، قبل أن يوارى في الثرى في مدافن العائلة.