«إيّاكَ وَالبَغيَ وَالبُهتانَ وَالغيبَة
وَالشَكَّ وَالشِركَ وَالطُغيانَ وَالريبَه
ما زادَكَ السِنُّ مِن مِثقالِ خَردَلَةٍ
إِلّا تَقَرَّبَ مِنكَ المَوتُ تَقريبَه
فَما بَقاؤكَ وَالأَيّامُ مُسرِعَةٌ
تَصعيدَةً فيكَ أَحياناً وَتَصويبَه
وَإِنَّ لِلدَهرِ لَو يُحصى تَقَلُّبُهُ
في كُلِّ طَرفَةِ عَينٍ مِنكَ تَقليبَه»
(أبو العتاهية)
في ذكرى حرب تموز، استذكرت كلام الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله عشية نهاية تلك الحرب بالقرار 1701، بعد سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، وسقوط البلد تحت دمار عظيم دفعت رئيس الحكومة يومها إلى استجداء العالم ليمد يد المساعدة. ما قاله نصرالله، ربما في صحوة ضمير نادرة، أنه لو كان يعلم بحجم الخسائر الناتجة عن العملية العسكرية واختطاف الجنديين، لما قام بها. لكن الحاجة إلى اختراع عزة يتغنى بها، جعلته يتراجع بسرعة عن رحمة عابرة، ليعود لشحذ الهمم ودفع أتباعه إلى المزيد من الموت والقتل تحت لوائه.
نجح «الحزب» بالفعل في خديعة ملايين العرب وغير العرب، إلى أن ظهر على حقيقته بكونه مجرد أداة في التنافس وتقاطع المصالح الإيراني- الإسرائيلي على الهيمنة على المنطقة، وبالتالي تم تدمير أرض المعركة والتقاطع ما بين طهران وبيروت، فيما طهران وتل أبيب سالمتان.
ما لنا ولكل هذا الاستذكار المغرض، لكنني أيضاً أردت أن أعيد إلى ذاكرة قوم يتفكرون، كيف يتحول العدو إلى ملاذ من شدّة أعظم، وكيف يمكن تجرع الكأس المرة هرباً من سم زعاف. ففي خضم الحرب الأهلية سنة 1976، لجأت القوى المسيحية المحاصرة في شهر آذار من تلك السنة، وربما دفعت عن قصد من القوى الغربية، لتلقّي الأسلحة من إسرائيل، بهدف درء خطر الفناء الحتمي الزاحف من الجبل. أتت تلك الأمور في ظل تقاطع مصالح بين دمشق وتل أبيب، فصار الخبراء العسكريون الإسرائيليون يخوضون المعارك إلى جانب نظرائهم في الجيش السوري، بالتحالف مع القوات اليمينية. تقول المصادر إنّ السلاح الذي منحته إسرائيل وقتها كان مما غنمته في معاركها على الجبهات مع العرب، على ذمة من روى. لم يبق نعت إلا ونعتنا به من تعاونوا مع إسرائيل يومها وظننا أنها سابقة لن تحدث في أي وقت في المستقبل. كان هذا إلى أن حصل الاجتياح سنة 1982، وفجأة انهمر الأرز من قبل أبناء الجنوب على الجيش الإسرائيلي «المحرر» من «عربدة» الميليشيات المتعددة التي عاثت بحياة الناس فساداً وقهراً وقطعاً للأرزاق. أذكر أيضاً في حادثة تذكر، عندما لجأ جرحى «القوات اللبنانية» المحاصرون في عين الرمانة من قبل قوات ميشال عون في حرب الإلغاء إلى حركة أمل لسحب الجرحى إلى مستشفى الجامعة الأميركية للعلاج، ومن ثم نقلهم بحراً إلى مرفأ جونية.
وعندما حوصر الفلسطينيون بعدما تحالفت إسرائيل ونظام الأسد على طرد قواتهم من لبنان بين سنتي 1982 و1983، كان عليهم اللجوء إلى إسرائيل لفك الحصار الذي أبعدهم مئات الأميال عن أرضهم، فكان اتفاق أوسلو رداً على الحصار العربي للقوى المسلحة الفلسطينية.
هنا أحب أن أذكر مدعي المقاومة المطلقة والنقية من دنس الصفقات والتسويات، كيف تعاون الخميني مع إسرائيل والمخابرات الأميركية في صفقة الكونترا المعروفة سنة 1983، عندما كان خطر صدام حسين داهماً، وكان نظام ولاية الفقيه يعاني الأمرين من الخسائر في المواجهات. ومن ثم كيف تجرع الخميني الكأس المرة لوقف الحرب المدمرة بعدما تبين استحالة كسبها، من الطرفين بالطبع، فأعلنت طهران وبغداد الاحتفالات معاً وتنفس أهل الشباب الصعداء لكون ما تبقى من أبنائهم لن يكونوا وقوداً مهدوراً لعزة الخميني من جهة، أو صدام من جهة أخرى.
وفي فصل جديد من «التآمر مع العدو»، أتى اتفاق ترسيم الحدود البحرية، وكان حزب ولاية الفقيه طرفاً مضارباً فيه، فلا أحد منا سيقتنع أنّ أطلال الدولة اللبنانية هي التي نسجت الاتفاق، فيما يسيطر الحزب على الشاردة والواردة فيها.
ما أريد قوله من كل ذلك هو أنّ أحبولة الاتهام بالعمالة في كل شاردة وواردة، واستعادة الكلام التافه الموروث من أدبيات القرن العشرين، لم يعد ينفع ولا يردع، فمن كان غارقاً في العمالة لدولة أجنبية ويتلقى «معاشه وسلاحه وتوجيهاته» من إيران. كما أنّ الشدة الحاضرة والخطر الداهم يحولان العدو إلى حليف أو صديق أو ملاذ، ولو بشكل مؤقت، فلنتواضع فمن كان منا بلا خطيئة «فليرجمها بحجر».