Sergio قصة مثيرة للاهتمام لمن يريد متابعة حكاية مندوب للأمم المتحدة في المشقات التي يتكبدها في بؤر العالم الملتهبة، وتخبطه في الصراع بين حياته الديبلوماسية والشخصية. والفيلم مستوحى من قصة حقيقية ويشمل مشاهد حرب فعلية من حرب العراق وتيمور الشرقية، وهو كذلك يعرض قصة حب وإن بطريقة هامشية في البداية ليشعر المشاهد في ما بعد، أنّ الحبّ محور أساسي في الفيلم الذي ننصح بمشاهدته كونه يملك كل العناصر الضرورية لنجاح الأفلام من تمثيل وإخراج وسيناريو.
ويدخل الفيلم في خانة "أفلام السيرة الذاتية" و"سيرجيو" هو في الحقيقة سيرجيو فييرا دي ميلو، الديبلوماسي البرازيلي المرموق في الأمم المتحدة الذي كان عمله في تيمور الشرقية والعراق أساس سيناريو غريغ بورتين، علماً أن الأخير تناول قصة دي ميلو سابقاً في فيلم وثائقي العام 2009 حمل حينها عنوان Sergio أيضاً.
يؤدي واغنر مورا دور "دي ميلو" في الفيلم. وطوال الفيلم يظهر "سيرجيو" محتجزاً تحت كمية هائلة من الركام بعد انفجار ضخم استهدف بعثة للأمم المتحدة في العراق. ومن الحفرة التي احتجز فيها مصاباً، الى جانب زميل محتجز مثله، يتذكر سيرجيو شريطاً من لقاءاته ونشاطاته كمبعوث للامم المتحدة في مناطق شديدة التوتر. شريط ذكريات يعج بقادةٍ ومقاتلين يمسكون بمفاصل الحياة في مناطق ودول ممزّقة بالحروب والصراعات المحلية والاقليمية والدولية. ها هو يرسل بشكل طارئ من الامم المتحدة الى هذه المناطق لإحلال السلام فيها، ويصارع في العراق ضغوط الادارة الأميركية التي تسعى لفرض أمرٍ واقع لها الكلمة الفصل فيه، ويتعارك كلامياً مع فصائل متناحرة تريد بسط سيطرتها على الأراضي بحكم السلاح والقوة الميدانية في تيمور الشرقية. صراع كبير يعيشه المبعوث بين ضميره الحيّ الذي يحتم عليه الوقوف مع حق الشعب العراقي في تقرير المصير وإجراء انتخابات مبكرة، والضغوط الاميركية الشديدة عليه لعدم التدخل في مسار اعتبرته الولايات المتحدة سياستها لـ"إعادة بناء للعراق".

يبدأ الفيلم بفيديو حقيقي عن توظيف عناصر الأمم المتحدة ويظهر فيه دي ميلو في لقطات حيّة وفعلية، وينتهي كذلك بلقطات حقيقية نقلتها قناة "السي. ان. ان" الأميركية ومختلف شاشات العالم لكوفي عنان مكرّماً زميله الراحل في الأمم المتحدة.
ولوفرة مشاهد التفاوض والاحتلال في أماكن مثل تيمور الشرقية وبغداد، يسهل أن نتوقع سماع تعليقات سياسية كثيرة في الفيلم، لا سيما مع ظهور برادلي ويتفورد بدور "بول بريمر"، مبعوث الرئيس جورج بوش الإبن إلى العراق. لكن سرعان ما تتحوّل قصة الحب الى ركن أساسيّ لمحور الأحداث. قبل أن يتنقل المشاهد بين مختلف البلدان والحبكات الفرعية، يرى زميلة "سيرجيو" في العمل "كارولينا لارييرا" (آنا دي أرماس) في مقر الأمم المتحدة في بغداد. النظرات المتبادلة بين سيرجيو وكارولينا كفيلة بإفهامه بأنهما يتبادلان الحب، لكن سينتظر بعض الوقت قبل فهم تفاصيل أخرى: بسبب تفجير انتحاري في فندق "كانال"، يقبع "دي ميلو" تحت أكوام هائلة من الركام ويَعْلَق مع زميله "جيل لوشير" (براين ف. أوبراين) الذي يكون بمثابة ضميره الحي.
بعد هذه المرحلة، يتنقل Sergio بين مواقع وأطر زمنية مختلفة، فنشاهد لقطات للقائه الأول مع "كارولينا" في تيمور الشرقية ومواجهاتها مع "بريمر"، ثم نعود دوماً إلى الزمن الحاضر بعد عملية التفجير. يدرك المشاهد طوال الفيلم أنه يعرض مراحل حياة "دي ميلو" التي تمرّ أمام عينيه فيما يلفظ أنفاسه الأخيرة. تعود الذكريات بسيرجيو الى لحظات الحبّ والمحبة في حياته رغم سيطرة المهنة على مفاصل حياته في معظم الأحيان. يرى ولديه. لا يعرف عنهما الكثير كونه لا يراهما إلا لماماً. يشعر بالذنب. فكم من المرات تركهما لتلقيه اتصالاً من أنان للذهاب الى بؤرة نزاع أخرى. ويرى كارولينا في أكثر من مشهد، يتذكر لحظاتٍ حميمة معها ووعداً قطعه عليها بأن تكون رحلة العراق الرحلة الأخيرة له كديبلوماسي في مناطق دامية. يريد أن يعطيها الوقت الذي تستحقه. لن يرتكب معها الخطأ الذي ارتكبه مع زوجته وولديه. "4 أشهر فقط" قال لها ذات يوم على طاولة عشاء جمعتهما. سيذهب إلى العراق برفقتها لأربعة أشهر فقط، ثم ينتقلان معاً الى ريو في البرازيل حيث سينصرف الى التعليم الأكاديمي بعيداً عن رحلات الأمم المتحدة المحفوفة بالمخاطر. وعدها بذلك وكان سيفي بوعده. تمرّ اللحظات متثاقلة... ها هو الآن في حفرته ممسكاً بيديه قطعة قماش حمراء وضع فيها خاتمين كانا سينقلانه الى فردوس من صنع يديه. الخاتمان يمدانه بإرادة البقاء. النصف الأسفل من جسمه محتجز كلياً تحت أكوام ثقيلة من الباطون. أين كارولينا الآن يا ترى. هل هي أيضاً تحت الركام؟ هل أصابها مكروه؟ كم يتوق الى سماع صوتها. "سيرجيو mi amor"... لا يعرف إن كان الصوت جزءاً من الهلوسات أو هي فعلاً هنا.... ينظر محدقاً في الكوة في الأعلى مصوباً بصره نحو الصوت... وجه كارولينا يتراءى له الآن بوضوح وهي سابحة في بحر "ريو" تدعوه للانضمام إليها بابتسامةٍ دافئة... ولداه يركضان على الرمل بسعادةٍ لا توصف... وجهها يبتعد رويداً رويداً حتى يختفي تماماً...