كُتب الكثير عن إصلاح الأمم المتحدة وعن دورها المتراجع في السياسة الدوليّة، تارة بسبب عدم اكتراث الدول الكبرى لموقعها ورسالتها، وتارة أخرى بسبب عدد من العوامل الداخليّة المتصلة بهيكليّة المنظمة الدوليّة والاتهامات التي تلاحقها في مجالات الفساد وغياب الإصلاح.
في العام 2017، وفي مطلع ولايته الأولى، شكّل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لجنة للبحث في كيفيّة إصلاح الأمم المتحدة واستنهاضها، وخلصت اللجنة إلى أن ثمة عوائق متعددة الأوجه تعيق عمل المنظمة ويتوجب معالجتها، ومن أبرزها: البطء في العمل وعدم الاستجابة السريعة للتحديات، الهيكليّات الإداريّة المبعثرة، إدارة التنفيذ الضعيفة، فجوات في الموارد، غياب الشفافيّة والمساءلة، وأخيراً النقص في الثقة بين الدول الأعضاء والأمانة العامة.
وقياساً إلى المبادئ الثمانية التي تتناولها أدبيّات الأمم المتحدة عن قيادتها فهي توصف بالشكل التالي: قيادة محكومة بمبادئ، قيادة منضبطة بقواعد، قيادة تستوعب الجميع، قيادة خاضعة للمساءلة، قيادة متعددة الأبعاد، قيادة محققة للتحوّل، قيادة تبدأ بنفسها (لتقديم المثال للآخرين) وقيادة تعاونيّة.
لا شك أن الفروقات بين الأدبيّات النظريّة وبين التطبيق العملي غالباً ما تكون كبيرة، وهذا الأمر لا يقتصر على منظمة الأمم المتحدة، بل على الكثير من المؤسسات الدوليّة والإقليميّة. إلا أن المفترض أن تشكل الأمم المتحدة نموذجاً لسائر المؤسسات بحيث يُنظر إليها على أنها المؤسسة الأم على الصعيد الدولي.
صحيحٌ أن ثمة معوقات إداريّة وبيروقراطيّة وروتينيّة عديدة قد تُعيق العمل في المنظمة (وذلك مرتبط جزئيّاً بحجمها وضخامتها)، ناهيك عن الفساد الذي يتحكم ببعض مفاصلها نتيجة سوء تطبيق بعض الأنظمة وحجم الأموال التي تتدفق عليها من الدول الأعضاء والتي تعد بملايين الدولارات. وهذه الأمور تستحق المعالجة لأنها تتيح إعادة مسار المنظمة إلى خطها الطبيعي.
ولكن، بكل واقعيّة، المشكلة في الأمم المتحدة لا تقتصر على القضايا الإداريّة والبيروقراطيّة على أهميتها، بل تتصل بدورها ورسالتها السياسيّة في مسألة السلم الدولي والعمل الديبلوماسي ومستقبل الكرة الأرضيّة على ضوء التغيّر المناخي الذي بدأ يأخذ اتجاهات خطرة ومنحنيات مثيرة للقلق.
ثمّة حاجة لإعادة الاعتبار لدور الأمم المتحدة بألا تكون عاجزة أو ضعيفة أمام القوى الكبرى وأن تبقى قرارات مجلس الأمن الدولي، وهو من أهم هيئاتها، عرضة للفيتوات والفيتوات المضادة بحيث لا يتحقق الاستقرار العالمي إلا من خلال مصالح الدول الكبرى التي تمتلك حق النقض أو الدول المتحالفة معها وتدور في فلكها.
لربما حان الوقت أيضاً لإصلاح مجلس الأمن الدولي والبحث المعمّق في كيفيّة صناعة القرار فيه بعيداً عن التصنيف الذي تولد بعد الحرب العالميّة الثانية سنة 1945 بما يُتيح حقاً إرساء قواعد أكثر تطبيقاً للعدالة الدوليّة لا أن تكون إنتقائيّة أو مزاجيّة بحسب مصالح الدول الكبرى.
المثال الأكثر سطوعاً في هذا المجال يتعلّق بإسرائيل التي تحظى منذ احتلالها لأرض فلسطين بحماية الولايات المتحدة الأميركيّة التي لم تتوانَ عن الوقوف سدّاً منيعاً في مواجهة أي قرار يدينها في مجلس الأمن الدولي أو أي قرار يحمّلها جانباً من مسؤوليّة الجرائم والمجازر العديدة التي ارتكبتها على مدى عقود بحق الشعب الفلسطيني.
إن اعتماد واشنطن على مبدأ «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس» إنما يغطي دور الإحتلال كدولة تمارس الإرهاب المنظم والفصل العنصري ويؤكد أن إخضاعها للقانون الدولي غير مسموح به فقط لأنها تحت حمايتها، وهذه مسألة خطرة تؤكد عجز الأمم المتحدة عن القيام بمبادرات منعزلة عن إرادة الدول الأعضاء، لا سيما الدول القوية منها.
إذا كانت الشعوب الفقيرة والدول الضعيفة تنظر إلى الأمم المتحدة كملاذ لها، فإنّ الأخيرة غالباً ما لا تستطيع أن تؤدي هذا الدور إلّا في بعض المسائل التنموية، وهي مهمة بطبيعة الحال. ولكن تبقى المشكلة الأكبر في السياسة. لذلك، إصلاح المنظمة ليس عملاً إدارياً بل قرار سياسي كبير!