مصطفى علوش

عن الأساطير المستحضرة لضمان وحدة الطائفة

5 دقائق للقراءة

«ساداتُ كُلِّ أُناسٍ مِن نُفوسِهِمِ

وَسادَةُ المُسلِمينَ الأَعبُدُ القَزَمُ

أَغايَةُ الدينِ أَن تُحفوا شَوارِبَكُم

يا أُمَّةً ضَحِكَت مِن جَهلِها الأُمَمُ»

(المتنبي)

منذ مدة، بمسعى من بعض الأصدقاء الساعين للحوار لتقريب الرؤى، وهم مشكورون بالطبع، كنا في لقاء مع أحد رجال الدين التابعين لـ»حزب الله»، وهو ذاته أستاذ في الجامعة اللبنانية، ومن دعاة التهريب عبر الحدود لخدمة المقاومة. لم أكن أعرفه قبل ذاك اللقاء، وفي خضم الحديث عن الخلاف المذهبي الإسلامي وتأطيره الأسطوري أو التاريخاني المبني على التقاليد الكلامية، قلت له ما يلي: «سماحتك أريد أن أقول لك بأنني تربيت على محبة أهل البيت واحترام ذكراهم، كما أنني كنت أذرف الدمع منذ طفولتي عند سماعي سيرة استشهاد الحسين، حتى حسب الرواية السنية المصدر، وأنا الآن مستعد لمحاكمة يزيد بن معاوية وإدانته من دون هوادة، لكنه مات منذ زمن طويل، كما مات منفذو الجريمة النكراء، ونحن اليوم، بظل الاختلاط وانقلاب الولاءات والالتزامات العقائدية، لا نعلم بالفعل من هم ورثة لا الغادر ولا المغدور. فما جدوى استحضار مضبرة الاتهام، مرفقة بمشهدية مستحضرة من عوالم شتى، لمجرد تأجيج العداء؟». ابتسم الشيخ الدكتور، لكنه لم يجب على أي من الاستفسارات.

كنت قبلها قد قرأت ما كتبه المعلم علي شريعتي عما سماه «التقية الصفوية» ومقارنتها بمبدأ «التقية العلوية». يقول شريعتي إنّ الإمبراطورية الصفوية أجبرت، تحت طائلة الموت، رعاياها على التشيع، ليس لإيمان أو تقوى، بل لحاجة عقائدية لبناء حاجز بمواجهة الإمبراطورية العثمانية خلال القرن السادس عشر. يعتبر شريعتي أنّ التقية العلوية هي تقية محمودة لكونها تحدّ من الصراع وتخفي ما يثير الحفائظ، وبالتالي تمنع الفتنة. أمّا التقية الصفوية، فهي تقية خبيثة هدفها الخداع لإيقاع وأذية الآخر، وهي تسعى إلى تغذية الشك والحقد والحذر بين المسلمين على أساس مذهبي، لمجرد ضمان ولاء الناس لحكامهم.

كما أنّ الشعائر والأساطير العاشورائية، بالنسبة لشريعتي الملتزم بشيعيته، كلها شعائر مستوردة من الممالك الأوروبية التي كانت في حال تقاطع مصالح مع الصفويين لإضعاف السلطنة العثمانية، ولا تعود هذه الشعائر لأي من التقاليد الشيعية الإثني عشرية الأصلية. حاول كبار المجتهدين الشيعة، من المرجعيات العاقلة، إقناع الناس بالحجج العقلية بالاكتفاء بمعاني الذكرى من دون المظاهر، لكن مسعاهم كان من دون جدوى، إلا في ما ندر. فالحاجة لإبراز الغيرية والتمايز عن «الآخر»، هي من ضروريات التماسك المجتمعي الإقصائي، وهي، من الناحية السياسية، تسهل قيادة المجموعة وجرها للانصياع لإرادة القائد حتى نحو الموت «فداء لحذائه»، رغم كونهم «أشرف الناس وأعزهم»!

بصراحة، لا أجد مانعاً من ممارسة تلك الشعائر كفولكلور، طالما أنها حصرت في استذكار نابع من النسيج الثقافي الذي لا يسعى إلى استحضار الماضي لفرضه لاغتصاب الحاضر. لكن الأدبيات المكررة في السياسة لدى أتباع ولاية الفقيه، ورثة الصفوية في عصرنا، تؤكد أنّ تلك الشعائر هي من الوسائل للحفاظ على الغيرية والتماسك الداخلي، المرتبطين دائماً باختراع أو افتراض عدو خارجي. والعدو الخارجي هو عادة كل من هو خارج الإطار العقائدي الأسطوري لمشروع ولاية الفقيه والأسهل للاستعداء هم أهل السنة «أحفاد يزيد!»، وكل من يخالف ضمن الطائفة يصبح من «شيعة السفارة»، أي جاسوساً يحل تصفيته.

في مراجعة لتاريخ الحركة الصهيونية، ليس فقط من أيام هرتسل، بل إلى مئات السنوات قبل ذلك، يقول إسرائيل شاحاك (توفي سنة 2001) في أبحاثه وكتبه التي تنتقد اليهودية مع الصهيونية، وهو الناجي من الهولوكوست، وأستاذ الكيمياء الجامعي في إسرائيل، بأنّ مسألة الغيرية وبالتالي التقوقع على ذات المجموعة، لكون الآخر من «الغوييم»، أي من جنس أقل شأناً من اليهود «شعب الله المختار» أو «أشرف الناس وأعزهم»، هي ما يشدد عليه رجال الدين العبرانيون على مدى تاريخهم، لتأمين التزام أتباعهم بمبدأ عدم الاختلاط مع الجنس العاطل من البشر، لا بل العداء المتبادل مع كل الغوييم، ما يعني الخوف من الآخر والتنبه لغدره، إلى حد استباق هجومه بالهجوم عليه، أي العودة إلى حال الطبيعة حيث «كل إنسان ذئب للآخر»، لكن ليس على مستوى الفرد، بل على مستوى الجماعة.

لهذا، فإنّ الدولة العبرية، رغم أننا نتهمها بأنها تسعى إلى التطبيع، لكن قيادتها، حتى وإن كانت علمانية، تسعى دائماً إلى اللجوء إلى الموروث التوراتي - التلمودي بهدف تأمين التماسك الداخلي المبني على العداء للمحيط «العدواني»، لمجرد أنه ليس من «جماعتنا». بالتالي فإنّ التطبيع مع المحيط هو عدو تماسك إسرائيل وليس العكس، كما أنّ الصبر على النزعات الأصولية ورعايتها، في دولة ديموقراطية علمانية وعنصرية هي من أجل الاستمرار في العداء والانعزال.

من هنا، نعود لعلي شريعتي، فقد أدرك منذ أكثر من خمسين سنة دور الشعائر واستعادة الموروث في التقليد الكلامي على عزل الشيعة عن باقي المسلمين، لتأمين سطوة ومكانة رجال الدين، من جهة، وللاستعمال في الحرب والسياسة، كما يفعل مشروع ولاية الفقيه اليوم بتجنيد عشرات آلاف الشيعة العرب لخدمة مشروع فارسي، بنكهة مذهبية.