السفير غابي صوفان

الشهادة للحق واجب وشرف

3 دقائق للقراءة
رياض طبارة (تصوير رمزي الحاج)

قرأت بكثير من التقدير والحسرة مقال الصحافية نوال نصر عن السفير رياض طبارة المنشور في جريدتكم الغرّاء والمنشور بتاريخ 19 آب الجاري. وقد تشرّفت بمرافقة مسيرته الدبلوماسية اللبنانية في واشنطن في مطلع عام 1994، كما تلطّف بذكري في حديثه، أي منذ حوالى ثلاثة عقود، بعد أن تدرّجت محامياً في مكتب فؤاد بطرس وبهيج طبارة إثر تخرّجي من الجامعة، فتتقاطع طريقي مجدّداً على مستويات راقية مع آل طبارة في الدبلوماسية كما في القانون.

أثمّن مقال الكاتبة لانها أيقنت كيف تنقل للقارئ، بما يشبه الشريط الوثائقي، سيرة غنّية وعابرة للعلوم الانسانية والدبلوماسية، وفيها جميعاً رياض طبّارة استاذ مميّز. ولا أخفي بعض الالم الذي انتابني لأن رياض طبارة مثل أخيه بهيج، وما يجسّدان من علوم غزيرة وقيم رفيعة ووطنية مترفّعة، هما في لبنان أشبه بالشعوب الاصلية indigenous peoples والمتميّزة وانما الآخذة بالانقراض والتي تمثّل حوالى 6 بالمئة من سكان العالم حسب البنك الدولي.

لقد حَفِظَتْ ذاكرة السفير طبارة صوراً من الحياة، وفي أرشيفه الدبلوماسي الاجتماع الاول بمساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الادنى روبيرت بليترو عام 1994 وسفير بلاده الاسبق في مصر وتونس والبحرين، وكلاهما آنذاك جديدان في تولّي المهام.

ويذكر السفير طبّارة، كما ورد في المقال، قولي: « يبدو أننا تخطّينا الحدود»، فيجيبني:» نحن نضع حدوداً». وللامانة، أشير إلى أنه في القراءة ما بين السطور مشهد غالباً ما لا نراه بالعين المجرّدة او نستوعبه بكلمات، فيكون مثل المداميك او البنى التحتية غير المرئية. في ايماني والتزامي، لا حدود في الدفاع عن لبنان، وإنما المقصود في الاجتماع المذكور هـو تخطّي الأطر البروتوكولية. فاللقاء حصل بعد فترة وجيزة من قدوم السفير طبّارة الى واشنطن وقبل تقديمه أوراق اعتماده رسميّاً إلى الرئيس الاميركي، مما يضع ضوابط بروتوكولية على تصرّف السفراء قبل مراسم الاعتماد. فبدلاً من التعارف، في إطار اللياقات الدبلوماسية التقليدية، تجاوز الاجتماع الاطار المذكور بحكم المستجدات والاعتداء الاسرائيلي السافر على لبنان. ونظراً لسخونة الحوار، غير العادي في توقيته، أعربت له عن خشيتي من تأخير تاريخ تقديم أوراق اعتماده، مع متابعة تواصلنا بكل احتراف مع المراجع الاميركية المختصة. فانقضت الامور على سلام ودون استسلام، وقدّم السفير اوراقه حسب الاصول المتّبعة.

ختاماً، في وجدانيات الدكتور رياض طبّارة ما يدعو للتأمّل مثل فلسفته الانسانية، وهوسه بلبنان ووجعه من دبابيره، في تجاربه مع « الاوفياء»، وتصنيفه لأنواع «الاغلاط» وتداعياتها، وفي أشياء أخرى تركها غامضة ومختزنة في حنايا قلبه. إنه الكنز، إذا أفرغته من محتواه، فَقَدَ قيمته النفيسة.

الـســفــيــر غــابــي صــوفــان