مصطفى علوش

أن يكون وزير الثقافة يقرأ في كتاب عقائدي

5 دقائق للقراءة

«شرم برم والناس غافلة والغفلة عالأفهام قافلة

والكذب لعلع في الحفلة وأغلب السامر مساطيل»

(أحمد فؤاد نجم)

لا يوجد إجماع كامل حول معنى الثقافة ولكنها تأتي للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات، وهي ليست فقط مجموعة من الأفكار، بل هي نظرية في السلوك بما يرسم طريق الحياة إجمالًا، وبما يتمثل فيها الطابع العام الذي ينطبع عليه شعب من الشعوب، أو فرد من الأفراد.

وقد تكون فيها بعض الوجوه المميزة للجماعة عن جماعات أخرى بما يخص اللغة والمبادئ الأخلاقية والمقدسات والقوانين وتراكم التجارب. كما أنّها التعبير الذي يشمل المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات. هي أيضاً تمثل نبوغ القدرة البشرية الى حد يجعلها قادرة على تصنيف الخبرات والتجارب بطريقة رمزية والتعبير عنها بطريقة إبداعية وخلاّقة.

أمّا المثقف، فهو الشخص المنفتح على الأفكار والمتفهم للخيارات والمعتقدات والقادر على الحوار دون أفكار مسبقة، مع ميل واضح إلى تطوير فكره وقناعاته بناءً على المعطيات الجديدة. ويتسم المثقف عادة بوضوح الأفكار وميلها إلى التعاطف الإنساني مع قدرة على التعبير عن معلوماته من دون اسفاف أو ابتذال بالألفاظ. ويكون المثقف عادة من نخبة المجتمع ومن هذه النخبة يتم اختيار القيادات على مختلف الأصعدة من الناحية النظرية.

انشأت معظم الدول وزارات للثقافة تهتم بتطوير وحماية الإرث الحضاري من آثار وفنون ومعالم عمرانية وتدعم أيضاً الأنشطة الثقافية من فنون وموسيقى وغيرها من الأنشطة التي تساهم في تطوير وإبراز دور الأمة الحضاري. وغالباً ما يتم اختيار شخصية مميزة على المستوى الثقافي والأخلاقي لاستلام هذه الوزارة حتى تكون الوجه الحضاري لبلد ما.

في لبنان مرت على وزارة الثقافة شخصيات مميزة طبعت الوزارة بطابعها، لكن، في بعض الأحيان، فرضت التوازنات السياسية والطائفية وجود شخصيات من نوع آخر، لكنها كانت تحافظ على حد معين من الاحترام لهذا الموقع.

كان هذا قبل أن يبتلى لبنان بتفشي وباء الثقافة العقائدية التي أرست مسلكاً مقيتاً في الحكم والسياسة وحتى في السلوك الشخصي للمصابين بهذا المرض. لا بأس أن يكون المرء عقائدياً، طالما أنّ عقيدته لا تستولي على ناصية السلطة وتسعى إلى تحويل كل شيء إلى ما يشبهها، وبالتالي تكفير أو تخوين أو استصغار كل ما يخالفها، ولو حتى بالرأي. لكن علينا الاعتراف بأن سياسة عزل الناس عن التنوع نجحت إلى حد كبير في خلق ستار حديدي على أفكار الناس من الرعايا إلى أن أتت ثورة التواصل الاجتماعي، بما لها وما عليها، لتجعل من السواتر الحديدية مجرد أوهام. هذا ما عدا كوريا الشمالية مثلًا أو ما يماثلها.

هذا لا يعني أنّ الثقافة قد عمّت بمنظورها الإيجابي المنفتح على المعرفة، فقد تم استعمال وسائل نشر المعلومات الحديثة بشكل يحمل معه الغث الهيّن الهضم قبل السمين الثقيل والمتعب، كما أن السلطات تستعملها بشكل فعال في كثير من الأحيان للترويج لنفسها.

لكن، هل يعني أن المنع وحجب المعلومة أو أي نوع من الفنون، هي السبيل لحفظ «مكارم الأخلاق والتقاليد»؟ هذا الأمر كان ربما ممكناً، ولو لحين، في أيام كان الإعلام الرسمي المسموح به هو مصدر المعلومة الوحيد. لكن التجربة تؤكد بأنه كلما حجبنا معلومة أو كتاباً أو فيلماً، كلما زادت نسبة السعي للاطلاع عليه، ولو من قبيل الحشرية.

بالتالي، فمن غير المجدي، لا بل من السخافة بمكان أن تصدر وزارة للثقافة قراراً بحجب فن من الفنون، بدل القيام بما يلزم لبناء الحجج المنطقية لتهفيت قيمة هذا الفن، فليس كل الفنون جميلة ولا مفيدة ولا جيدة، لكن المؤكد هو أنه لا يمكن في هذه الأيام حجبها، بالرغم من تفاهتها أو لكونها ترسل الرسائل التي لا تعجبنا، وقد يكون فيلم باربي من ضمنها، لكن ليترك الأمر للناس لا لاعتباطية وزير.

هنا أعود إلى قرار وزير يقرأ في كتاب عقائدي واحد، ويريد أن يكون مسؤولاً عن ملف يفتح كل الكتب ليقرأها ويعلق عليها وينتقدها. ولا تكفي البيانات المليئة بالمطرزات اللغوية للرد على الانتقادات لقرار لا يمكن تسويغه إلا بالكلام الخشبي النابع من الماورائيات. ما فعله الوزير، العقائدي، بمنع عرض فيلم سيشاهده الجميع بوسائل عدة، ربما سيكون مجالاً للمهربين الذين يمولون أنشطة عقيدته أكثر الناس استفادة بهذا المنع لأنه يفتح لهم وسيلة رزق إضافية.

منذ سنوات كتبت مقالة عن الحملة ضد فنان يهودي إسمه «جاد المالح»، كان من المفترض أن يأتي لعرض في لبنان، فانبرت وسائل إعلام حزب الوزير للتشهير به، وربما عن حق، فألغي العرض. المهم هو أنني لم أسمع بجاد المالح قبل ذلك، ولم يهمني أبداً نوع فنه الذي كان يعرضه، لكن الحملة أدت إلى انتشار عروضه بشكل محموم على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما حول هو قضية منعه إلى قضية حرية ونوع من اللاسامية.

من أجل هذا لا يجب أن تكون وزارة الثقافة تحت عهدة من يقرأ بكتاب عقائدي واحد.