طوني فرنسيس

محضر 2014 الرئاسي

29 آب 2023

00 : 00

تختلف صورة لبنان كثيراً عمّا كانتهُ إثر انطلاق الفراغ الرئاسي المديد عام 2014، لكن صورة القوى التي تحكمت بذلك الفراغ، طولاً وعرضاً، وتمكنت من فرض خاتمته، لا تزال هي نفسها، مع اختلاف ما في بعض تفاصيل المنطقة واسوداد متزايد في صورة البلد المستكين إلى فراغه واحتدام أزماته.

كانت إيران الدولة التي يسعى الوسطاء في إثرها لحل الاستعصاءات اللبنانية بوصفها الأقوى على الأرض. حكومة تمّام سلام التي قامت بتصريف الأعمال حتى مجيء ميشال عون رئيساً لم تتشكل في عهد ميشال سليمان إلا بإذن إيراني، والفراغ الذي أعقب انتهاء ولاية سليمان لم يشهد نهاياته إلا بعد تنفيذ القرار الايراني.

في كل تلك المساحات الزمنية الطويلة كانت فرنسا فرنسوا هولاند حاضرة، حريصة على لبنان وتنظيماته وطوائفه، وعلى علاقات متوازنة في الإقليم، خصوصاً مع إيران المرتاحة إلى نجاح مفاوضاتها النووية مع واشنطن باراك أوباما.

بعد مرور نحو ستة أشهر على الشغور الرئاسي حلّ جان فرنسوا جيرو مدير الشرق الأوسط في الخارجية الفرنسية في بيروت (كانون الأول 2014) ودار بينه وبين تمّام سلام حوار، هنا بعضٌ منه:

سلام: يجب أن تعلموا أنّ تجربتنا في أثناء تشكيل الحكومة (تعثّرت 11 شهراً) أظهرت أنّه عندما قررت إيران أن يشارك حلفاؤها، تمكنا سريعاً من إنجاز التأليف وحققنا في الأشهر الأولى من عملنا إنجازات كبيرة».

جيرو: خلال الأسابيع الماضية... تباحثت مرتين مع نظيري عبد اللهيان (وزير الخارجية حالياً) وفاتحته بموضوع الانتخابات، لكنه في المرتين كان يتهرب من إعطاء إجابات واضحة. أثناء زيارتي الأخيرة، قال إن المسيحيين هم من يختار الرئيس، فأجبته أنّ هذه المسألة لا تعود للمسيحيين وحدهم... بالنسبة إلى عبد اللهيان هناك ثلاث مسائل يجب توضيحها: هل سقط احتمال التوافق بين سعد الحريري وعون نهائياً؟ هل هناك إمكانية لسحب ترشيح سمير جعجع ثم عون؟ هل بإمكان البطريرك الماروني أن يجمع المسيحيين في بكركي؟ وأكد لي (اللهيان) أنّه إذا اتفق المسيحيون على مرشح، فإنّ حزب الله سيظهر مرونة».

سلام: قلت إنّ الإيرانيين أبلغوك أنّ «حزب الله» يوافق على الخيار الذي يتفق عليه المسيحيين؟

جيرو: قلت لعبد اللهيان إنّ إعلان «الحزب» تأييده لعون يساعد في العملية لكي يكون عون مشاركاً فيها. موقف «حزب الله» يساهم في إنتاج العملية. ما يطمئن الإيرانيين حصول تفاهم بين الحريري وعون، وقلنا لهم إنّ كل شيء يجب أن يتم بتكتم، ويجب دفع الزعماء المسيحيين إلى الاتفاق لكي يشعروا بأنهم هم من صنع الرئيس».

ماذا يمكن أن يُكتب في المحضر اليوم؟ تغيّرت صورة العالم والمنطقة في بعض ملامحها خلال السنوات التسع الفائتة. لبنان يواصل الغرق في تحلل مؤسساته وبُناه، لكن الواضح أن لا تغيير في رؤية إيران وفرنسا، فهما حتى إشعار آخر، تواصلان البحث، لكن بصعوبة، عن ايهام الأطراف بـ»رئيس صنع في لبنان» في سياقٍ من التكتم الصاخب.