مصطفى علوش

عن تداعيات تسمية الخصم عدواً

4 دقائق للقراءة

«ما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجم

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

وتضر إذا ضريتموها فتضرم»

(زهير بن أبي سلمى)

ليس من السهولة بمكان تحديد من يمكن وصفه بالعدو، فقد تتداخل في التعريف عوامل شتى منها الشخصي والجماعي والنفسي وغيرها من الأمور التي قد يكون منبعها أساطير وتقاليد كلامية لا أصل لها في التاريخ، ولكنها كالكذبة النبيلة التي تحدث عنها أفلاطون في جمهوريته، وهي تلك الأسطورة التي تحث على التماسك الداخلي والشعور بالمصير والتاريخ المشترك.

لكن، من الناحية اللغوية نرى أنّ العدو، على المستوى الفردي، هو من يحمل ضغينة أو يحضر للأذية أو يقوم بفعل يتعارض مع رغبات الآخر، هو باختصار ما يمثل ضد الذات، بغض النظر عن التقييم الأخلاقي المطلق للأمر. هو أيضاً على المستوى الجماعي من يحمل سلاحاً، أو يؤلف قوة مسلحة يهدد أو يهاجم بها مجموعة أخرى، بغض النظر عن أحقية الأسباب أو خبثها.

بمعنى مشابه، فإنّ العدو هو فرد أو جماعة أو كيان على عداوة أو خلاف أو صراع يسعى لأذية فرد أو جماعة أو أمة. لكن الصفة الملازمة هي تضارب الأهداف والأعمال أو المصالح، ما يؤدي إلى الصراع والتناحر والاحتقان بين أفراد أو مجموعات. كل هذا يعني أنّ إشكالية تحديد العدو تبقى غير موضوعية ومرتبطة بعوامل الزمن والحالة والمصالح إن تضاربت أم تقاطعت.

ولكونها هكذا، يسعى كل طرف من الطرفين المتنازعين إلى تخطي الحالة المصلحية، لوضعها في إطار ماورائي، تدخل فيه الأخلاق والأساطير والمظلومية التاريخية، إلى أن تصل إلى وصف الآخر، أو الآخرين، بصفات ذات بعد عنصري يسعى لإزالة حتى الصفة البشرية عن «العدو».

من كل ما سبق تأتي إشكالية تحديد من هو عدو ومن هو صديق! فالواجب الأخلاقي يدفع إلى مراجعة ما يستتبع تسمية العدو، أكان فرداً أم جماعة. فمحاولة تسويغ العداء تستتبع تعرية العدو من بشريته وبالتالي تسهيل المبادرة إلى العنف ضده. الإشكال الآخر يأتي من مسألة استسهال تسمية العدو، من دون البحث في حيثيات الخلاف وتحليله، وبالتالي استبعاد حله سلمياً.

من هنا، فإنّ احتمال تفاقم النزاع سيكون عائقاً، مقصوداً أحياناً، لمنع الوصول إلى حل. هذا النهج كان، ولا يزال، ما تلجأ إليه إسرائيل لتستبعد أي حل نهائي مبني على تسوية النزاع، وعلى هذا الأمر هناك ما لا يحصى من القرائن التاريخية منذ وعد بلفور وبداية الاستعمار الصهيوني في فلسطين.

الإشكال الإضافي يأتي من المسوغات العقائدية والفكرية والأسطورية للعداء، ما يمنع الحوار لحل النزاع، وبالتالي يستديم الصراع، خاصة إن كانت هناك أطراف تستفيد أو ترتزق من هذه الاستدامة، منهم الساعون إلى استمرار سلطتهم لكونهم قادة ميامين في ساحة الوغى، أو تجار أسلحة يبيعون للطرفين، أو من له مصلحة بإضعاف الطرفين.

إحدى الإشكالات الكبرى التي ترافق تسمية العدو تنتج عن الأدبيات الإعلامية والدعائية المرتبطة بالتحشيد للمواجهة، فكيف، إن غسلت أدمغة الجماعة في سبيل تسويغ العداء، يمكن التراجع وإعلان الوفاق أو التفاهم مع من وصفوا بالأعداء الأزليين؟

هذا بالطبع سيترك عواقب تحتاج لأجيال للتخفيف من آثارها الاجتماعية والنفسية، وقد تؤدي إلى ندرة التعاون واستمرار تضارب المصالح بين الأطراف، وإن تصالحت. من هنا نرى كيف سعت فرنسا وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لبناء مصالح اقتصادية مشتركة بين البلدين للتخفيف من جرح التاريخ وندوب الأساطير.

لكل ذلك يدعو العقلاء إلى التنبّه لمخاطر وتداعيات تسمية الآخر بالعدو وربطها بما هو ماورائي وأخلاقي، لصعوبة إيجاد السبل للحل المستدام. هذا الموقف يحتاج إلى قادة حكماء لا يحتاجون الى الصراع للبقاء على ناصية قومهم، وهم مستعدون لقيادة، أو التخلي عن القيادة في مرحلة السلم والتعاون.

لماذا كل هذا الكلام الآن؟ هو لأنّ الأدبيات المستخدمة في لبنان اليوم ذهبت إلى منحى تسمية الآخر بالعدو، كما أن اللجوء إلى استحضار «خبريات» وأساطير الماضي، المختلف عليه حتماً، ستجعل من إمكانية الحل صعبة إلى درجة الاستحالة، خاصة لأنّ الحلول المستدامة تستند إلى سقوط منظومات بنت وجودها على، إما السيطرة التامة، أو استمرار وجود العدو. ليس أمراً بسيطاً إذاً تكرار اتهام من يعارضوا «حزب الله» وهيمنته في لبنان بخدم «العدو»، يعني وضعهم في خانة أدنى حتى من العدو، وبالتالي تحفيز جمهور «الحزب» على المزيد من العدائية وتحليل سفك الدماء، بالتالي وضع الآخرين في موقع الدفاع عن الذات من خلال افتراض العداوة، ومعها استحضار الماضي لتسويغ واستسهال المواجهة.

لذلك على جمهور «حزب الله» أن يفهم بأنّ تماديه في استعداء الآخرين والصلف الفاضح في تصرفاته، كما تكرار الأدبيات المغرقة في الحقد الموروث، كلها أدت إلى عدم تفريق بعضنا بين قواته ولواء جولاني.