حصد الموسم الثاني من مسلسل After Life (الحياة الأخرى) الذي تعرضه شبكة "نتفلكس" تقييمات مختلطة. من جهة، يحتفظ العمل بنقاط قوته، إذ يتمتع بممثلين أقوياء يتميزون بالمستوى نفسه من الأداء المتماسك، وعلى رأسهم ريكي جيرفيه الذي يقدّم أفضل أداء له في مسيرته المهنية. هو مستعد في هذا الدور لإلقاء عبارات لاذعة ومريرة فضلاً عن ملاحظات مؤثرة، كما أنه يعترف بالطابع المعقد والفوضوي للحزن، ولا يهتم بأي شكل بمظاهر المعاناة القاسية. من جهة أخرى، تبرز عيوب المسلسل بكل وضوح، وتحديداً على مستوى المشاهد الجامدة وزوايا التصوير غير المتقنة. كذلك، يظهر تناقض معرفي غريب تزامناً مع خليط الحوارات اللاذعة والمريرة والمؤثرة، ويبدو أن المسلسل لا يعترف بلحظاته الوحشية الغريبة وتكثر فيه الأغاني الحزينة المعزوفة على الغيتار. على غرار الموسم الأول، تولى جيرفيه أيضاً كتابة السيناريو وإخراج جميع الحلقات. لكن يبرز عامل آخر كفيل بجعل هذا الموسم الثاني أكثر نجاحاً من الأول، أو أكثر تأثيراً على الأقل: توقيت عرضه!
كان أحد عناصر القصة ليفشل حتماً في الظروف العادية، وهو يتعلق بالمأزق الذي يعيشه "طوني" (جيرفيه). تمحور الموسم الأول حول رحلة بطل القصة. أما الجزء الثاني، فيتعلق فعلياً بعجزه عن النهوض من حزنه. لا يعني ذلك أنه شخص جامد بالكامل. يحاول "طوني" بشتى الطرق أن يكون بخير، فيكشف في لحظات عابرة عن طابع لطيف أو يحاول التحلي بالصبر في لحظات أخرى. هو لا يتعثر في معظم الأحيان، لكنه لا يحرز أي تقدم أيضاً. يعكس السيناريو عمداً هذا الجمود الصعب الذي يحاول التمسك به، ويسعى الإخراج إلى تحقيق الهدف نفسه (عمداً أو عن غير قصد، لكنه سيئ ولا يصيب الهدف في مطلق الأحوال!). كان يُفترض أن يكون هذا الجانب سلبياً للشخصية والمسلسل معاً، إذ يعبّر "طوني" دوماً عن رغبته في النهوض من كبوته. لكنه الوقت المثالي لعرض مسلسلٍ يحاول فيه البطل أن يبقى بخير ويريد أن يصل إلى هذا الوضع بكل بساطة ويحافظ عليه. ما من توقيت أفضل لمشاهدة هذا النوع من القصص. هو يعيش بطريقة تلقائية، وتتطلب منه هذه الحياة عملاً شاقاً جداً.

يعكس روتينه اليومي طبيعة هذا العمل الشاق. هو يطعم الكلب ويأخذه للتجول، ويتناول الفطور أحياناً مع "روكسي" (رويزين كوناتي)، صديقة غير متوقعة يبدأ أخيراً باعتبارها عاملة جنسية بدل أن يناديها بالعاهرة. يمزح "طوني" أحياناً مع ساعي البريد الغريب (جو ويلكينسون)، ويذهب إلى العمل في صحيفة محلية، إلى جانب شقيق زوجته ورب عمله "مات" (توم باسدن)، والكاتبة الشابة المثالية "ساندي" (مانديب ديلون)، ومريض اسمه "ليني"، ومصور بليد (طوني واي)، وشخصيات أخرى. حتى أنه قد ينفذ المهام أحياناً، فيكتب عن ظاهرة غريبة في بلدتهم النائمة، أو يجلس على مقعد في مقبرة ويتبادل الحديث مع "آن" (بينيلوبي ويلتون المدهشة) التي تشاركه حزنه، أو يزور والده المصاب بالخرف (ديفيد برادلي) في دار للرعاية بالمسنين، ويتكلم مع ممرضته "إيما" (آشلي جنسن) وتجمعه بها علاقة هشة وغير مستقرة. في أوقات أخرى، نراه يشتري النبيذ ويثمل أو يشاهد فيديوات زوجته الميتة "ليزا" (كيري غودليمان). هكذا كان روتين حياته في الموسم الأول أيضاً، لكن يتوقف "طوني" هذه المرة عن جرح الناس ونشر الفوضى في محيطه، فيستكشف الجروح التي يحاول المحيطون به إخفاءها ويتعامل معهم بتعاطف حين تسنح له الفرصة. هذه الأحداث تتكرر معه يومياً.
لهذا السبب، يمكن اعتبار هذه المظاهر المتكررة في المسلسل جزءاً من مزاياه، لا عيوبه، مع أن بعض المشاهد أفضل من غيرها. تكون مهام "طوني" و"ليني" أشبه بأعذار كي يمرر جيرفيه النكات و/أو الآراء حول مختلف المواضيع والثقافات. في أفضل الأحوال، تبدو هذه الجوانب مضحكة أو مفيدة، لا سيما مشهد زيارته لأكبر سيدة في البلدة بعد تلقيها هدية من الملكة، ومحادثته مع صاحب قطة منفتح ومرح بدرجة استثنائية. في مناسبات متكررة، تنهار الأجواء الإيجابية التي حاول المسلسل نشرها بسبب سخافات لا تتماشى بأي شكل مع إيقاع العمل وتوازنه. لكن في أسوأ الأحوال، تكون هذه الأفكار وحشية بدرجة لا يدركها المسلسل على ما يبدو: لا يظهر "طوني" بصورة القاسي والمؤذي وغير الصبور، بل المسلسل كله. يكون مشهد زيارته لمقيمة في البلدة تقول إنها "في عمر الثامنة" كريهاً بشكل خاص، إذ يحاول المسلسل من خلاله أن يُظهِر تعاطفه مع هذا النوع من الشخصيات لكنه يطرح في الوقت نفسه أفكاراً مؤذية عن موضوع المتحولين جنسياً. قد يستفيد جيرفيه على الأرجح من التعاون مع كتّاب آخرين من خارج نطاق خبرته منعاً لنشر أفكار نمطية جاهلة ومسيئة ومعلومات مغلوطة!