تكشف دراسة جديدة أن المصابين بالاكتئاب يكونون أقل ميلاً إلى الاستفادة من النشاطات لتعديل مزاجهم. لكن تزداد صعوبة تطبيق هذه المقاربة تزامناً مع تفشي وباء "كوفيد - 19".
نُشرت نتائج الدراسة حديثاً في مجلة "جاما" وحللت مجموعة نشاطات قد يستعملها الناس لتعديل مزاجهم وتجنب الاكتئاب. أراد العلماء بذلك أن يعرفوا ما إذا كان المصابون بالاكتئاب أقل ميلاً إلى التخطيط لنشاطاتهم وتحسين مزاجهم.
قد يتفاقم اختلال التوازن الداخلي (أي العجز عن استرجاع مزاج مستقر عبر نشاطات قادرة على تغيير المزاج) بسبب قلة الخيارات المتاحة خلال فترة الحجر المنزلي. يقول المشرف الرئيس على الدراسة، غاي غودوين، من جامعة "أكسفورد" في المملكة المتحدة: "حين نشعر بالإحباط، نميل إلى اختيار نشاطات لرفع معنوياتنا. وحين نشعر بالسعادة، قد نختار نشاطات تميل إلى إحباطنا. لكن في ظل انتشار وباء "كوفيد - 19" اليوم وتطبيق تدابير الإقفال التام والعزل الاجتماعي، أصبحت النشاطات المحتملة محدودة".
الاكتئاب... ظاهرة عالمية!
يصاب أكثر من 264 مليون شخص بالاكتئاب حول العالم. وبحسب "المعاهد الوطنية للصحة"، يُعتبر الاكتئاب الحاد من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً في الولايات المتحدة، فقد أصيب 17.3 مليون شخص هناك (7.1% من الراشدين) بنوبة واحدة على الأقل من الاكتئاب الحاد.
تداعيات قلة تنظيم المزاج
للتأكد من تأثير اختلال المزاج على الاكتئاب، حلل غودوين وزملاؤه تاريخ 58328 مشاركاً وقارنوا حالة المكتئبين بالمبتهجين. اختار الباحثون أفراداً من مناطق ذات دخل منخفض ومتوسط ومرتفع للمشاركة في تجربتهم.
راقب العلماء تحديداً مدى تجاوب الناس مع حالتهم المزاجية عبر النشاطات التي يختارونها على مر اليوم. فاكتشفوا رابطاً بارزاً بين الاكتئاب وتطبيق هذا النوع من تنظيم المزاج في مناسبات نادرة أو عدم تطبيقه بأي شكل. خلال تجارب المحاكاة المحوسبة، لاحظ الباحثون أن عدم تنظيم المزاج بدرجة كافية ينذر بنوبات متكررة ومتواصلة من الاكتئاب. في المقابل، تراجع احتمال تعكر مزاج المتطوعين حين اختاروا مسبقاً نشاطات يشاركون فيها. يوضح غودوين: "يثبت بحثنا أن هذا النوع الطبيعي من تنظيم المزاج يختلّ توازنه لدى المصابين باكتئاب، ما يطرح هدفاً جديداً ومباشراً للأبحاث اللاحقة ويُمهّد لتطوير علاجات جديدة لمساعدة المكتئبين".
يفترض العلماء أن النشاطات المستهدفة قد تساعد المصابين باكتئاب على تنظيم مزاجهم وتجنب نوبات الاكتئاب. وبما أن الأدوية لا تفيد إلا 50% من هؤلاء المرضى، قد تطرح هذه الفرضية وجهة جديدة وواعدة للعلاجات. يضيف ماكسيم تاكيه الذي شارك في الإشراف على الدراسة: "من خلال تدريب الناس على زيادة توازن مزاجهم، أي كيفية تنظيم المزاج طبيعياً عبر اختيار النشاطات المفيدة، قد نتمكن من تجنب الاكتئاب أو تحسين علاجه. إنها خطوة مهمة على الأرجح في زمن الإقفال التام والعزلة الاجتماعية، أي حين يكون الناس أكثر عرضة للاكتئاب وتصبح نشاطاتهم المحتملة محدودة".
خيارات مفيدة
بعد تحليل تاريخ المشاركين، إكتشف الباحثون أيضاً أن النشاطات التي سمحت بتعديل مزاجهم كانت متنوعة ويتوقف نوعها على مستوى الدخل.
في البلدان ذات الدخل المرتفع، كان الناس أكثر ميلاً إلى اختيار التمارين الجسدية لتعديل مزاجهم. وفي الجماعات الأقل دخلاً، كان الأفراد أكثر ميلاً إلى اختيار النشاطات الدينية. لكن تبرز خيارات أخرى دوماً.
في النهاية، يستنتج تاكيه: "تقدّم نتائج هذا البحث فرصاً جديدة لتطوير علاجات الاكتئاب وتحسينها، حتى أنها قد تُمهد لابتكار علاجات على شكل تطبيقات للهواتف الذكية وتضعها في متناول جماعات واسعة تفتقر أحياناً إلى العلاجات المستعملة راهناً".