تواجه طهران مجموعة استحقاقات داخليّة وخارجية داهمة تُهدّد نفوذ نظام الجمهورية الإسلامية ووجوده، وتمسّ بالأمن القومي الإيراني. وضِعت الأجهزة الأمنية الإيرانية على أهبّة الاستعداد مع اقتراب الذكرى الأولى لمقتل «أيقونة» ثورة «إمرأة، حياة، حرّية» الشابة الكردية مهسا أميني على يد «شرطة الأخلاق»، وسط حملة اعتقالات واسعة تطال ناشطين مُعارضين، في وقت تُحيط بالبلاد مخاطر أمنية وعسكرية جمّة قد تنفجر في أي لحظة.
ومع توجّس نظام الملالي من تحرّكات شعبيّة تُطالب بإسقاطه يوم السبت المقبل، تطفو على سطح الأزمات قضية المهلة الإيرانية للسلطات العراقية لنزع سلاح الأحزاب الكردية الإيرانية المُعارضة التي تتّخذ من إقليم كردستان مقرّاً، خصوصاً بعد تلويح «الحرس الثوري» باستخدام القوّة العسكرية لتحقيق هذه الغاية، مذكّراً بغداد بأنّ الوقت بدأ ينفد أمامها ولم تتحرّك بعد لتنفيذ الاتفاق المُبرم مع طهران منذ آذار الماضي.
ومن التهديدات على الجبهة الإيرانية - العراقية إلى التحشيد العسكري الأميركي في المنطقة، ولا سيّما التحرّكات على الحدود العراقية - السورية وما تُثيره من جَزَع لدى القيادة الإيرانية من تنفيذ واشنطن إجراءات حاسمة لقطع «الهلال الشيعي» الرابط بين طهران وبيروت في المنطقة الصحراوية، وتالياً ضرب «الخطّ العسكري» البرّي الذي يوحّد ساحات النفوذ الإيراني «المشرقية».
وفي حال كان هناك بالفعل قرار لدى إدارة بايدن بإقامة «جدار أميركي» لبتر أذرع «الأخطبوط الإيراني» وتفكيك أوصال «امتداداته الأمبراطورية» في المنطقة، فإنّ هذه الخطوة ستواجه بردّ فعل من طهران، أقلّه عبر «الميليشيات الشيعية» بمختلف جنسيّاتها المنتشرة على ضفتَي الحدود العراقية - السورية. فمِن البديهيّ أن تتصدّى طهران لمحاولة قطع «شريانها الحيوي» الذي يؤمّن لها حضوراً جيوسياسيّاً وعسكريّاً قويّاً على حدود إسرائيل الشمالية وعلى ضفاف الحوض الشرقي للمتوسّط.
وبالحديث عن عدوّ إيران اللدود، لم يتلاشَ إطلاقاً التهديد من شنّ الدولة العبرية عملية عسكرية خاطفة، بالاشتراك مع أميركا أو من دونها، لتدمير المنشآت النووية الإيرانية وإنهاء قدرة طهران على تصنيع سلاح ذرّي لمرّة واحدة ونهائية. ومثل هذه «المغامرة العسكرية» لها تداعيات جسيمة على البيئة الأمنية الإقليمية، فيما يبقى قائماً احتمال تسعير تل أبيب «حربها السرّية» السيبرانية والأمنية لإعاقة برنامج طهران النووي وتأخيره قدر الإمكان إلى حين «صيد» اللحظة السانحة لتوجيه «الضربة الكبرى» إذا لم يُعالج هذا الملف بالسُبل الديبلوماسية.
وبالإنتقال إلى جنوب القوقاز المضطرب حيث ترتفع مخاطر اندلاع حرب جديدة بين يريفان وباكو مع ازدياد وتيرة الاستفزازات الحدودية الأذربيجانية، فضلاً عن تمسّك الأخيرة بقرارها اللاإنساني بإغلاق ممرّ لاتشين، الطريق الوحيد الذي يربط أرمينيا بـ»جمهورية» أرتساخ ذات الغالبية الأرمنية المُعلنة ذاتيّاً. وهنا لا يُمكن إغفال قلق طهران البالغ من تفجّر الوضع على حدودها الشمالية - الغربية، وسط تنامي المخاوف لدى القيادة الإيرانية من تحوّل أذربيجان إلى «قاعدة أمنية ولوجستية» متقدّمة لإسرائيل، ما يُعتبر تجاوزاً فاضحاً لخطوط طهران الحمر وتهديداً داهماً لأمنها القومي.
وفي حين لا يُمكن حسم ما إذا كانت إيران ستتدخّل بشكل مباشر في حال نشوب حرب بين أرمينيا وأذربيجان، وطبيعة هذا الانخراط وحجمه في ظلّ تزاحم المصالح المتّصلة بالنزاع وتشعّب تحالفات القوى المنخرطة فيه، إلّا أن طهران تخشى من تدهور الوضع العسكري في القوقاز وانعكاسه سلباً عليها.
وعلى حدود إيران الشرقية مع أفغانستان التي يزيد طولها على 900 كلم، تتصاعد حدّة التوترات وتُسجّل اشتباكات من وقت إلى آخر على خلفية النزاع المرتبط بسد نهر هلمند الأفغاني، إذ تتّهم طهران كابول بعدم الإيفاء بالتزاماتها في شأن حصّة إيران من مياه النهر الذي ينبع من وسط أفغانستان ويجري لمسافة أكثر من 1000 كلم حتّى يبلغ بحيرة هامون عند الحدود بين البلدَين، مع التراجع الحاد في منسوب المياه بينما تُعاني إيران من جفاف خطر، الأمر الذي قد يستدعي تحرّكاً إيرانيّاً إذا لم تستجب «الإمارة الإسلاميّة» لمطالب «الجمهورية الإسلاميّة».
يُزنّر إيران «طوق» من البراكين الأمنية والعسكرية النشطة التي من المحتمل أن تُطلق في أي ساعة إحدى فوهاتها حممها الحارقة من دون سابق إنذار، في منطقة تقف فوق فوالق زلزالية مريعة وتشهد تحوّلات تاريخية استراتيجية قد تفرض تغيّرات بنيوية جوهرية في «المشهد الإقليمي» مع إعادة تشكيل ملامح النظام الدولي الجديد.