رواد مسلم

كييف تحتاج إلى المقاتلة "غريبن" لإنجاح هجومها المضاد

5 دقائق للقراءة
مقاتلة من طراز «غريبن» السويدية

منذ بداية «العملية الخاصة» الروسية في أوكرانيا في شباط 2022، والغرب يقدّم المساعدات العسكرية للقوات الأوكرانية، ليس فقط لأنّ أوكرانيا دولة حليفة أو غير عدائية لهم، بل خوفاً من تمدّد الخطر الروسي إلى حدود دول الناتو وتعريض الديموقراطية لخطر الإلغاء بعد غزو الدول الأوروبّية. كل هذه المساعدات لم تحل مسألة عدم التكافؤ الجوي بين الجيشين الروسي والأوكراني، فهناك تفوّق جوّي روسي لطالما واجهه الغرب بإرسال أنظمة دفاع جوّي إلى كييف لتحقّق نسبة حماية عالية فوق الأراضي الأوكرانية، منعت من خلالها المقاتلات الروسية من التحليق فوقها، وانتقل الجيشان بعدها إلى حرب المسيّرات الهجومية والإنتحارية، لكن المسيّرات لن تحقّق وحدها أي تقدّم ميداني لإسترجاع المناطق المحتلّة، ولن تقدّم أي ميزة عسكرية للجيش الأوكراني.

لذلك يضغط الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على الحلفاء الغربيين لتزويده طائرات مقاتلة حديثة للمساعدة في حماية القوات البرية للدفاع عن أرضها والتقدّم بشكل أسرع في الهجوم المضاد. ولطالما تردّد الحلفاء لأسباب مختلفة، بما في ذلك المخاوف من تصعيد الصراع ليتعدّى حدود أوكرانيا، والحاجة إلى تدريب الطيارين الأوكرانيين، لكن مع وضوح تعثّر الهجوم المضاد، أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإرسال مقاتلات «أف 16»، فأعلنت الدنمارك وهولندا إرسال مقاتلاتهما من طراز «أف 16» (61 مقاتلة كحدّ أقصى) على دفعات بعد إنتهاء تدريب الطيارين ووصول بديلاتها من طراز «أف 35»، وبعدها تعهّدت النرويج بإرسال مقاتلات «أف 16».

عسكريّاً، القوات الجوية الأوكرانية بحاجة إلى أرقام عالية من مقاتلات الجيلين الرابع والخامس، فالتفوّق الجوّي الروسي بمعدّل 10 مقابل 1، وتحديداً 500 مقاتلة روسية من طراز «سو 30» و»سو 35» و»سو 25» وغيرها، مقابل 80 مقاتلة أوكرانية من طراز»سو 27» و»ميغ 29»، بحسب الوثائق المسرّبة من البنتاغون. والجيش الأوكراني يعرف أهمية إمتلاك مقاتلات حديثة، لذلك لا ينفكّ زيلينسكي عن طلب زيادة قدرات القوات الجوية الأوكرانية، آخرها كان في السويد حيث عبّر عن أمله في الحصول على سرب واحد من المقاتلات «جي اي اس 39 غريبن» السويدية الصنع من الجيل الرابع «زائد»، يتألّف من ما بين 16 و18 مقاتلة، التي تُنتجها شركة «ساب للصناعات الدفاعية».

لم يكن واضحاً نية السويد في تلبية طلب زيلينسكي وسرعة تلبيته، لكن لهذه المقاتلة مميّزات تلبّي احتياجات القوات الجوية الأوكرانية أكثر من المقاتلة «أف 16»، فهي قادرة على الإقلاع والهبوط من مدارج قصيرة، بدائية وغير معبّدة، حيث يمكنها الإقلاع ضمن مسافة 500 متر فقط والهبوط ضمن مسافة 600 متر، وحتى من الطرق السريعة التي تسمح بتوزيع الطائرات على مواقع متعدّدة ومموّهة يصعب على الجيش الروسي معرفة تموضعها، مقارنةً مع المقاتلة الأميركية «أف 16» التي تحتاج إلى مدرج طويل ومجهّز.

تتمتّع هذه المقاتلة بقدرة على إطلاق الصواريخ المضادة للطائرات والأهداف الجوية من مستوى مخفوض جدّاً. ففي حين أنّ الصاروخ الأميركي «إي أي أم 120 دي» الذي تُطلقه «أف 16» يعمل بمحرّك صاروخي صلب يحترق بعد وقت قصير نسبيّاً من إطلاقه ليسلك مساره الإنزلاقي بعد توقّف المحرّك، فإنّ صاروخ الجو - الجو «ميتور» الذي تطلقه «غريبن» يستخدم محرّكاً نفاثاً يُمكنه دفع السلاح طوال مسار الرحلة بالكامل وبسرعات تصل إلى 4 ماخ (4 أضعاف سرعة الصوت)، لذلك يمكن إطلاقه من مستوى مخفوض لتدمير أهداف بعيدة، ما يُمكّنه من تجنّب خطر الصواريخ الروسية أرض - جو «أس 300» و»أس 400».

تعتبر المقاتلة «غريبن» خفيفة الوزن ما يُميّزها في قدرتها على المناورة السريعة، واعتراض المقاتلات العدوّة أو الإفلات منها، فضلاً عن إحتوائها على أنظمة الحرب الإلكترونية الأكثر تطوّراً في العالم، ما يُمكنّها من مواجهة أنظمة الدفاع الجوّي الروسي، والتحليق دون إمكانية رصدها من قبل رادارات الجيش الروسي.

السويد تمتلك 204 مقاتلات من طراز «غريبن»، إلّا أنّها أعلنت أنّها بحاجة لهذه المقاتلة لحماية أمنها، لذلك فإنّ مسألة إرسال مقاتلات سويدية إلى أوكرانيا ستكون بعيدة الزمن، إذا عمدت السويد على تصنيع مقاتلات جديدة لأوكرانيا التي ستستغرق سنوات، مع العلم أن تصنيع هذه المقاتلة يعتبر الأقل كلفة مقارنة مع المقاتلات الأخرى، لكن هناك دول أخرى تمتلكها إلى جانب القوات الجوية السويدية، هي جنوب أفريقيا، التشيك، المجر، تايلاندا والبرازيل.

خصّصت القوات الجوية التشيكية كلّ مقاتلاتها من طراز «غريبن» لدعم حلف الناتو، كما فعلت بولندا في ما يتعلّق بمقاتلاتها من طراز «أف 16». هناك إلتباس في علاقة المجر مع موسكو، على الرغم من كونها عضواً في الناتو، فمن غير المرجّح إذاً أن تُقدّم أي مساعدة دفاعية لأوكرانيا، لا سيّما في التخلّي عن مقاتلاتها التي تُساعد كييف على تحقيق التفوّق الجوي على روسيا. كذلك من غير المرجّح أن تقدّم جنوب أفريقيا التي تُغازل روسيا مقاتلاتها أيضاً.

من المؤكّد أنّ حصول أوكرانيا على المقاتلة «أف 16» وتدريب طياريها على كيفية استخدامها في العمليات القتالية من قبل نظرائهم في أميركا وهولندا والدنمارك والنرويج، واستخدامها في الحرب الدائرة في أوكرانيا بعد وصولها، سيُسهّل حصول كييف على المقاتلة «غريبن» المناسبة للحرب الأوكرانية دون فترة تدريب طويلة، مع العلم أنّه تمّ الإعلان عن تدريب عدد من الطيارين الأوكرانيين على مشبّهات في السويد، كما التدريب من خلال طلعاتٍ تجريبيّةً حيّة. لكنّ الأهمية في الحرب الأوكرانية هو ميزان القوى في القدرة الجوية، فإنّ الأعداد التي يُحكى عنها بسيطة بالنسبة إلى أعداد المقاتلات الروسية. بيد أنّه من المحتمل والأكثر أهمية، أن تعتمد الخطط الأوكرانية لمواجهة القدرات الجوية الروسية تكتيكات ذكية، لإنجاح الهجوم المضاد، الذي يبدو أنّ مدّة تحقيق أهدافه طويلة تتعدّى السنوات.