أهم ما في زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان هو رصد المعلومات والتسريبات والقراءات التي أعقبت الزيارة.
ففي هذا الرصد ما يجعلنا نحسب أنّ هناك أكثر من لودريان واحد، هناك اثنان ربما، أو حتى ثلاث نسخ غير متطابقة من مسيو لودريان، وبما يناسب المعارضين والمستقلين وجماعة «التيار الوطني الحر»، وبالطبع فريق الممانعة. وما رشح عن اللقاءات يؤكد ذلك. ردود فعل القوى السياسية وتعليقات المشاركين منها تشي بأنّها لم تلتق الموفد نفسه. وما صرح به معظم هذه القوى بعد الزيارة يدل على أنّ هناك سوء فهم، أو سوء ترجمة، أو وقوعاً في فخ القراءة المغلوطة لما قاله الرجل، او حتى مشكلة سمع واستيعاب.
إذاً لا يُعقل أن يرى فريق المعارضين أنّ الرجل حسم بضرورة اللجوء إلى خيار ثالث يلغي ترشيح كلٍ من سليمان فرنجية وجهاد أزعور، وأنه يتفهم خشيتهم من الحوار بناء على السوابق غير المشجعة، في حين يواصل الممانعون التأكيد أنّ لودريان يؤيد الحوار الذي دعا اليه الرئيس نبيه بري، ولا يسعى إلى غيره بديلاً، من دون إغفال تسريب معلومات عن أنّ لقاء رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد بقائد الجيش جوزاف عون كان لإبلاغه تقدير الحزب لشخصه وللجيش، ولكن مع تأكيد التمسك بفرنجية مرشحاً وحيداً له مكانه الثابت والراسخ.
ويبدو أنّ تسريب خبر اللقاء قد أوصل الرسالة، لذا كان الانتقال الى تسريب ثانٍ للتصويب ليس إلا.
بالتالي، تبدو محاولات التفاؤل الهشة لفريق المعارضين، الذين سيعتبرون أنّ مجرد تراجع «حزب الله» عن ترشيح فرنجية، هو انتصار ما دام التوجه نحو اسم ثالث أصبح في اليد، من دون التمعن في التراجع غير التكتيكي الذي يُسَجَّل على هذا الفريق لجهة التخلي عن ترشيح أزعور بعد التخلي عن ترشيح ميشال معوض.
ذلك أنّ مثل هذه الحسابات تبقى ساذجة اذا ما تم الرصد الفعلي للعمل الفعال الذي يقوم به محور الممانعة لتعقيد الأوضاع اللبنانية أكثر فأكثر، وصولاً إلى مرحلة القدرة الكلية على فرض مرشحه. وتكفي متابعة تدفق السوريين غير المنطقي في هذه المرحلة، وأيضاً تفجير الوضع في عين الحلوة «ليطلع» المعنى من قلب الشاعر.
فتكديس الأوراق الملتهبة والحاضرة للتفجير فنٌ يتقنه محور الممانعة، ويتقن الاستثمار فيه وفق خطط طويلة الأجل وبنفس أطول وبقدرة تفوق بكثير ما لدى المعارضين من حنكة وبراعة في اللعب على حبال التناقضات.
ولا بد أنّ لودريان ومن خلفه الإدارة الفرنسية يعرفان هذا الواقع، كما باقي الدول المشاركة في الخماسية، وإلا لما كان الكلام عن أنّ انتخاب رئيس بأكثرية 65 صوتاً من أصوات النواب سيكون بحد ذاته سبباً لأزمة جديدة تؤدي إلى شلل في تأليف الحكومة والبدء بالإصلاحات، وما إلى ذلك من معزوفة التعطيل المعهودة بوجود الممانعين الماهرين في الابتزاز بطاولة حوار أو من دونها. فالشغل ماشي بمعزل عن التسميات والاجتهادات المسكِّنة، سواء أكانت نقاشاً أو تبادل وجهات نظر أو ورش عمل تشاورية...
ليبقى المطلوب واضحاً لا لبس فيه، وهو طمأنة الممانعين الى عدم وجود خناجر تطعن في الظهر، ولو اقتصر هذا الطعن على ما تصدح به الحناجر، لعجز أصحابها عن مواجهة من لديه القدرة على انشاء مطار لضرورات العمل العسكري ضد كل من لا يقدِّر حاجتهم لمشروع استتباع لبنان بشكل كامل لهم، إذا تمكنوا أو إذا حظوا بالنسخة السرية الجدية لمسيو لودريان.