تلتئم الجمعية العمومية للأمم المتحدة هذا العام وسط تحدّيات دولية هائلة تُثقل أجندتها الهادفة نظريّاً إلى بناء «مستقبل أفضل للجميع» مع حلول عام 2030، إنّها الدورة الـ78 للجمعية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية التي دَفنت صيغة عصبة الأمم ذات «الجينات السياسية» المشوّهة وفتحت صفحة الأمم المتحدة بآمال عريضة. لكنّ المخاوف تتعاظم يوماً بعد يوم من أن تلقى المنظّمة الدولية مصير «العصبة» مع ارتفاع احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة.
صحيح أنّ حقبة «الحرب الباردة» لم تخلُ من مخاطر «فناء البشرية» جرّاء «حرب نووية» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي آنذاك، خفّف من وطأتها «الخطّ الأحمر» الساخن المباشر بين البيت الأبيض والكرملين بعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، بيد أنّ «البيئات الجيوسياسية» الحالية أكثر تشعّباً وترابطاً وعرضة للاشتعال السريع من أقصى شرق آسيا مروراً بوسطها والقوقاز والشرق الأوسط وشمال أفريقيا و»الساحل»، وصولاً إلى شرق أوروبا وشمالها والبلقان، وربّما القارة الأميركية.
يكثر كلام «المحور المُمانع» للغرب عن نظام دولي متعدّد الأقطاب بعد تفرّد الولايات المتحدة بالهيمنة على الساحة الدولية منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. وليس بالأمر المَكنون أنّ العالم يشهد تحوّلات عميقة سترسم ملامح النظام الدولي الجديد، فيما تبقى أميركا القوّة الأكثر نفوذاً وتأثيراً وانتشاراً، تليها الصين الصاعدة بسرعة البرق لتحتلّ «مقعد» الاتحاد السوفياتي الشاغر.
الصراعات الدولية تأخذ أبعاداً متعدّدة ومتنوّعة في خضمّ معضلات صحية وبيئية ومناخية وكوارث طبيعية تعصف بالبشرية في أرجاء المعمورة كافة، ما يُعقّد المشهد المضطرب أساساً ويزيده تأزّماً ومأسويّة. كما أنّ تفشّي الوباء حول العالم بداية عام 2020، عرّى الدول وكشف مكامن الخلل البنيوية والوظيفية فيها، خصوصاً الدول التافهة المتّكئة على هياكل أنظمة توتاليتارية مهترئة، فاسدة وفاشلة، فتفجّرت حروب أهلية وانتشرت عدوى الإنقلابات وازدادت «الشعوب المكشوفة» فقراً وحرماناً وبؤساً، وانبعث «طوفان» الهجرة غير الشرعية، وضُربت سلاسل الإمداد العالمية، ودخل الكوكب في مرحلة تاريخية مفصلية جديدة.
وما كاد العالم يستفيق من هول كابوس «الإعصار الوبائي» الذي قد- أشدّد على «قد»- تكون الأمم المتحدة أبلت بلاءً «حسناً» خلاله، حتّى أطلق «القيصر» بوتين حربه الوحشية على أوكرانيا تحت شعارات محاربة «النازية» وحماية الأقلية الروسية وإعادة ضمّ مناطق «سُلبت» من «الإمبراطورية الروسية»، لتقف الأمم المتحدة واهنة وعاجزة عن حماية دولة عضو ذات سيادة من التعرّض لعدوان شامل غير مبرّر على الإطلاق، لتقتصر أبرز انجازاتها الديبلوماسية على رعايتها اتفاقاً لتصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، انسحبت موسكو منه في تموز.
تنقسم الدول حول الحرب في أوكرانيا، كما تتعارض مصالحها القومية والحيوية بعضها مع بعض حول قضايا عدّة، ولا سيّما تلك المصنّفة جيوستراتيجية، لتتفرّق «أحلافاً» اقتصادية وتجارية وسياسية وعسكرية... متفرّعة الأعضاء المشترَكين ومتفاوتة الأحجام والقدرات. تُشيّد واشنطن شراكات عسكرية ثنائية ومتعدّدة الأطراف وتحصّنها وتوسّعها، كحلف «الناتو» وتحالفَي «أوكوس» و»كواد»، لإعداد «مسارح عمليات» في المناطق الحسّاسة بتعزيز وجودها العسكري لدى حلفائها وتقويتهم وتهيئة جيوشهم لحروب المستقبل في مواجهة «التنين الأصفر» و»الدب الروسي» وبقية «الأعداء»، وعينها شاخصة على تايوان تحديداً.
من المياه الصالحة للشرب والغاز والنفط والموارد والمعادن الطبيعية، إلى «أشباه الموصلات» والسلع الاستراتيجية والتكنولوجيّات الجديدة وأدوات الذكاء الاصطناعي، تتراكم عوامل ومسبّبات النزاعات والحروب، بينما يغيب بشكل لافت ومُعبّر عن أروقة الأمم المتحدة هذا العام أربعة زعماء من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إذ ستكون الولايات المتحدة مع بايدن العضو الدائم الوحيد الممثل على أعلى مستوى.
ستُركّز الأضواء الإعلامية على زيلينسكي الذي سيُخاطب «الأمم غير المتحدة» من على منبر الجمعية العمومية، في وقت يتوجّس فيه المراقبون من انطلاق «العدّ التنازلي» لبداية - نهاية الأمم المتحدة. فهل «تُنحَر» المنظّمة الدولية على يد بوتين وكيم وشي كما قَطَعَ هيروهيتو وموسوليني وهتلر رأس «العصبة»؟