على الورق، يتمتع فيلم The Dinner (العشاء) بجميع عناصر النجاح كي يصبح من أفضل أفلام السنة. سبق وأصدر الكاتب والمخرج أورين موفرمان بعض الأعمال القيّمة، مثل Love & Mercy (الحب والرحمة) الذي كشف عن موهبته الحقيقية. The Dinner من بطولة ستيف كوغان ولورا ليني وريتشارد غير وريبيكا هول، لكن لا يؤدي أي منهم دوراً بطولياً مطلقاً، وهي ميزة فعلية. الأهم من ذلك هو أنه مقتبس من رواية هيرمان كوش. لكنه يفتقر إلى أفضل النقاط في العمل الأصلي ولا يبدو متماسكاً بما يكفي نتيجة المبالغة الواضحة في جميع جوانبه.
يتمحور الفيلم حول لقاء على العشاء، وتصبح التجربة أكثر غرابة وإزعاجاً مع كل معلومة جديدة يقدمها لنا الفيلم. "بول" (ستيف كوغان) و"ستان" (ريتشارد غير) شقيقان، وقد بقيا بعيدَين عن بعضهما في معظم فترات حياتهما. "بول" أستاذ ثانوي متقاعد اضطر للابتعاد عن عمله بعد إصابته بنوبات نفسية فرضت عليه أن يأخذ أدوية للحفاظ على سلامته. هو رجل ذكي وغير اجتماعي بدرجة معينة وتزعجه معظم جوانب المجتمع بشكل عام. أما "ستان"، فهو سياسي ترشّح حديثاً لمنصب حاكم الولاية. ولمجرّد أنه سياسي، يعتبره "بول" تجسيداً لكل ما يكرهه في الحياة.
تعرف زوجة "بول"، "كلير" (لورا ليني)، المشاكل التي مرّ بها زوجها، وهي تشتق في معظمها من معركتها ضد السرطان قبل سنوات، فاضطر "بول" لتربية ابنه وخسر في الوقت نفسه معركته ضد يأسه. أما "كايتلين" (ريبيكا هول)، فهي زوجة "ستان" الثانية وتواجه مشاكلها الخاصة، أبرزها اضطرارها لتربية أولاد ليسوا منها في ظل غياب والدهم الدائم. يضطر الشقيقان للاجتماع لأنهما يحتاجان إلى خوض محادثة مهمة. هما لا يتحملان التواجد في الغرفة نفسها، لكنّ ابنَيهما صديقان ويتبين أنهما ارتكبا جريمة انتشر خبرها على نطاق واسع وأطلقت موجة استياء عارمة، لكن لم يكتشف أحد هويتهما بعد.

قد تبدو هذه القصة بسيطة، لكنها تتعمق في تفاصيل حياة الشقيقين عبر عرض لقطات من الماضي واستكشاف جوانب مزعجة وكئيبة وشائبة من حياتهما، بين جدران واحد من أفخم المطاعم وأمام أغلى وجبات الطعام. يعتبر "بول" الطعام مصدر إزعاج له أيضاً، فهو من أسباب الهدر غير المنطقية برأيه، لذا يفضل أن يطلب البيتزا بكل بساطة. يظن "بول" أن اختيار "ستان" لهذا المطعم هو هجوم آخر عليه، ويشكّل من وجهة نظره نوعاً ضمنياً من التعليقات العدائية المتواصلة التي يتلقاها من شقيقه.
مع تقدم مسار الفيلم واستعراض خلفية الشخصيات بطريقة منهجية، سرعان ما تصبح القصة كئيبة بقدر الأحداث التي يحاول العمل كشفها. يبقى الفيلم مثيراً للاهتمام والتمثيل فيه ممتاز، بما في ذلك أداء مايكل تشيرنوس بدور النادل المرح. في النهاية، يجب أن يعرف الجميع أن الكتاب مدهش لكنّ طريقة اقتباسه في موقع أميركي والخيارات الإخراجية التي تفترض أن المشاهدين يشعرون بالملل في لحظات معينة، تُجرّده من رسالته المدهشة عن معنى الحياة والعلاقات ونزعة الجميع إلى تجاهل الصراعات القائمة بغض النظر عن حقيقة ما يحصل.
مقابل كل لحظة عميقة ومدروسة تكشف عن تفصيل مهم عن إحدى الشخصيات بطريقة مؤثرة وغريبة، يظهر مشهد طويل وغير ضروري أو يفسّر ما هو واضح، فتضعف مصداقية العمل. بشكل عام، تبقى القصة صادقة جداً وتلقي نظرة ضرورية على أسس الشخصية الفردية. في أعماق مختلف اللقاءات المباشرة أو لقطات الماضي، يعرض علينا الفيلم تفاصيل مدهشة عن معنى الوجود الشخصي، والمسائل التي تشغلنا طوال الوقت، والخداع الراسخ في أي نوع من الشعور بالذات، والصدمة المرافقة للتردد الأخلاقي وقدرة التحمّل. تزداد قوة هذه المفاهيم عند تأمّل الفكرة القائلة إن أحداً لا يتكلم بأي موضوع إلا إذا اضطر لذلك ومن دون أن يذكر تلك الفكرة بطريقة مباشرة.
يُفترض ألا يجذب هذا الفيلم جميع أنواع المشاهدين فحسب، بل يجب أن يطالب الناس بمشاهدته مراراً. لكنّ إيقاعه يتنقل دوماً بين مشاهد مألوفة. تعود الأحداث بشكلٍ متكرر إلى موضوع "الجريمة"، ثم نشاهد لقطات طويلة منها وكأن صانعي الفيلم يريدون إقناعنا بما يحصل لأنهم يعرفون أن ما يقدمونه ليس مقنعاً. تبدو اللقطات من ماضي "بول" أطول من اللزوم، ويحصل ابنه على حوارات مفرطة كي نقتنع بأننا أمام مشهد واقعي بين أب وابنه. تنجم معظم هذه المشاكل عن محاولة شائبة لكتابة الأحداث بطريقة عكسية، وهو قرار غريب عند اقتباس الكتب. يجب أن نصل إلى حدث محوري في القصة، لذا تقول هذه الشخصيات عبارات محددة أو تقوم بأفعال معينة بغض النظر عن المنطق وراء تلك الأقوال والأفعال.
رغم هذه الشوائب كلها، يستحق الفيلم المشاهدة لبلوغ آخر 15 دقيقة من مدة العرض، إذ تنكشف الحقائق عن الشخصيات فجأةً في هذه المرحلة، وتتّضح معها معلومات كثيرة عن كل من يشاهدها. لكن في النهاية، لا مفر من أن نشعر بأن الفيلم لا يثق بنفسه بما يكفي ولا يثق أيضاً بقدرة المشاهدين على فهم رسائله!