ليس جديداً ان تكون الأزمة أكبر من محاولات الحل، بحيث يتم اللجوء الى الشكل لتغطية الجوهر. ولا فائدة من الإنكار والدوران في المكان: اللعبة الديموقراطية معطلة والمؤسسات هياكل. السلطة على المسرح شكلية. والمعارضة، حتى للسلطة الشكلية، تأتي بالمفرق وعلى القطعة. وفي كثير من الألعاب الدائرة على المسرح وفي الكواليس ما يؤكد قول هنري ادامز "ان السياسة هي التنظيم المنهجي للحقد".
ذلك ان من الضرورات الوطنية تقوية موقف لبنان التفاوضي مع صندوق النقد الدولي وحاملي سندات "اليوروبوندز" والمانحين والممولين في "سيدر"، لكن من المضر بالبلد والشعب تكبيل يد المفاوض بثلاثة قيود سلفاً. أولهما فرض شروط على من نحتاج الى ماله، لا مجرد رفض شروط بينها الرقابة على انفاق المال في ظل سمعتنا السيئة. وثانيها تقديم خطة يعترف أصحابها بأنها ليست خطة كاملة بل وسيلة للتفاوض قابلة للتغيير، وكل سطر فيها يحتاج الى مشروع تفصيلي او قانون. وثالثها غياب الإجماع الوطني والسياسي والاقتصادي على مسوّدة عناوين، كشف الموالون قبل المعارضين ما فيها من عيوب ونواقص وثغرات ومخالفات للدستور والنظام الاقتصادي الحر. فضلاً عن تجاهل مناخ الثورة الشعبية والامتناع عن التشاور مع نقابات المهن الحرة ونقابات العمال والاساتذة.
أكثر من ذلك، فان المؤسف ان يكون أهم ما في مسودة العناوين هو ما يعرف الجميع انه لن يتحقق لانه يضر بمصالح النافذين. والمخيف، على طريقة المثل القائل: "ان الخوف مستشار سيئ لكن اللامبالاة مستشار اسوأ"، هو ان جماعة التكنوقراط والخبراء والمستشارين وضعوا بدم بارد ارقاماً باردة من دون اي تقدير لانعكاس ترجمتها العملية على حياة الناس. فما معنى معاقبة الضحايا على ما ارتكبه الثلاثي السياسي والمصرفي الخاص ومصرف لبنان؟ وهل المطلوب حل أزمة المسؤولين في هذا الثلاثي الذين كبدوا المال الخاص والمال العام خسائر بقيمة 160 مليار دولار وأثروا، أم حل أزمة لبنان التي ضربت كل فئات الشعب وأخذت البلد الى هاوية عميقة؟
يقول كونفوشيوس: "الرجل الذي ينقل جبلاً يبدأ بحمل حجارة صغيرة". والامتحان امام السلطة لبدء استعادة الثقة هو ان تقدم نموذجاً واضحاً وملموساً لمكافحة الفساد: الذهاب الى النهاية في فضيحة مكشوفة ومستمرة هي الفيول المغشوش من دون لفلفة كالعادة بدأت ملامحها تظهر، كما يقول عارفون. أما الامتحان الاول امام العرب والعالم قبل الداخل فإنه اجراء اصلاح جدي في اي قطاع. والأقرب هو الثقب الأسود في الكهرباء.
وليس باللجوء الى " البارانويا السياسية" يعيش لبنان.