جاد حداد

Unorthodox... رحلة امرأة هاربة من الجماعة الحسيدية اليهودية!

4 دقائق للقراءة

يتمحور المسلسل القصير الجديد على شبكة "نتفلكس"، Unorthodox (غير تقليدية)، حول شابة في التاسعة عشرة من عمرها تهرب من جماعتها الحسيدية في بروكلين. لن نشاهد شعر بطلة القصة الحقيقي للمرة الأولى قبل منتصف الحلقة الأولى. تؤدي الممثلة الإسرائيلية شيرا هاس دور "إيستي شابيرو" التي تقف في أحد المشاهد على حافة بحيرة "غروسر وانسي" الكبيرة في جنوب غرب برلين، المدينة التي هربت إليها. يحصل ذلك في يوم مشمس، ويحيط بها في تلك اللحظة شبان مرحون بملابس السباحة. لكن ترتدي "إيستي" سترة بياقة عالية وتقليدية وتنورة سوداء تصل إلى ربلة ساقها وعلى رأسها الشعر المستعار البنّي الثقيل الذي كانت تضعه حين أصبحت زوجة جديدة في منطقة "ويليامزبرغ". لا يُفترض أن تكشف المرأة الحسيدية المتزوجة عن شعرها في العلن، ولا يُسمح لها بالسباحة مع الرجال أيضاً. حين تنزل "إيستي" إلى الماء أخيراً، بكامل ملابسها، تنزع شعرها المستعار وتكشف عن فروة رأسها وشعرها القصير. يكون غوصها في الماء أشبه بانتهاك للمحرمات ومعمودية لتجديدها.

مسلسل Unorthodox مقتبس من مذكرات ديبورا فيلدمان التي حققت أعلى المبيعات في العام 2012. هي تركت طائفة ساتمار الحسيدية اليهودية في "ويليامزبرغ" ثم استقرت في برلين (مع أنها وصلت إلى ضواحي نيويورك بكل بساطة في نهاية كتابها). تشاورت فيلدمان مع صانعي المسلسل، آنا وينغر التي كتبت الدراما التلفزيونية Deutschland 83 (ألمانيا 83) عن جواسيس وزارة أمن الدولة "ستازي"، ومخرجة الأفلام الوثائقية أليكسا كارولينسكي، للتأكد من أنهما تجسدان الطائفة الحسيدية المعزولة بأعلى درجات الدقة. يبقى نجاحهما في هذه المهمة محط جدل. كتبت فريدا فيزل التي كانت تنتمي سابقاً إلى طائفة ساتمار في افتتاحية في صحيفة "فوروارد" أن المسلسل يصوّر المرأة الحسيدية وكأنها تفتقر إلى الفكاهة بقدر "ساحرات ديزني بأزيائهن الغريبة".





لكنّ مشاهد المسلسل التي تدور في "ويليامزبرغ"، معظمها باللغة اليديشية، تُركّز بأسلوب مقنع على طقوس الحياة الحسيدية. بدءاً من لقطات الماضي عن ليلة زفاف "إيستي" وصولاً إلى شخصية زوجها "يانكي" المتحفظ والطفولي، نشاهد مجموعة رجال بقبعات فرو وهم يقودون العريس الذي يغمض عينيه إلى مكانه في قاعة العرس، فيما يغطي وشاح كبير رأس العروس طوال الحفل. سنشاهد رجالاً ونساءً يرقصون بشكلٍ منفصل، فيما يتدلى ستار باهت بينهم، ثم ننتقل إلى غرفة صغيرة حيث يمضي الزوجان الجديدان أولى لحظاتهما وحدهما. في مشهد آخر، تبكي "إيستي" حين تحلق عمتها شعرها البنّي الطويل والمائل إلى الذهبي.

هذا الجانب شبه الوثائقي من المسلسل قد يبدو غريباً أو لا يتماشى مع إيقاعه المتوازن. حين نشاهد "يانكي" وهو يصلي أو جد "إيستي" وهو يرأس عشاء عيد الفصح اليهودي، قد نفهم إلى أي حد ساهمت تلك التقاليد في تقوية هذه الجماعة المضطهدة تاريخياً وضمان صمودها. لكن يعرض Unorthodox أيضاً تفاصيل مؤلمة عن حجم الضوابط في حياة "إيستي" وخضوعها لمراقبة مستمرة. بما أنها شابة خصبة، يقدّرها مجتمعها لمجرّد أنها تستطيع إنجاب الأطفال. حين تزور الميكفاه، أو حوض الاستحمام اليهودي التقليدي، تفتش مضيفة، أظافر يديها وبشرتها للتأكد من أنها تخلو من الأوساخ قبل السماح لها بالاستحمام. إنها واحدة من الطرق للتأكد من أن المرأة "نظيفة" قبل لقاء زوجها. تشخّص معالِجة جنسية محلية تشنجاً مهبلياً لدى "إيستي"، وهي حالة تجعل العلاقة الجنسية مؤلمة، ومع ذلك تحثها تلك المرأة على تحمّل وضعها. كذلك، تحضر حماة "إيستي" المتطفلة لإلقاء محاضرة عليها حول ضرورة أن يشعر "يانكي" بأنه "ملك" في غرفة النوم. وحين تحمل "إيستي" بعد علاقات جنسية موجعة، تدرك أن الطفل سيحدد مصيرها، حتى لو كان نعمة في الحياة.

يحمل هرب "إيستي" من بروكلين طابعاً مشوقاً، تليه مطاردة محتدمة حين يقرر "يانكي" ونسيبه الشرير "مويش" السفر إلى ألمانيا للحاق بها. تظهر برلين كتجسيد خيالي للبوهيمية العلمانية ومتعددة الثقافات، وتتخذ "إيستي" في نهاية المسلسل شكل نجمة سينمائية، فتبدو فجأةً أنيقة وتضع أحمر شفاه بارز. لكن تنجح هاس بأدائها القوي في نقل رواسب الألم الشخصي والاجتماعي في قصة "إيستي". هي تبدو متوترة وهزيلة أحياناً، وكأنها غزال صغير تحرر من حظيرته لينطلق في حديقة الحيوانات الشاسعة. وفي لحظات أخرى، تبدو جذابة ومبتهجة، فتُردد أغنية عرس إيقاعية أو تتراقص تحت الأضواء الزرقاء في أحد نوادي برلين الليلية. فيما تطفو "إيستي" على ظهرها في بحيرة "وانسي"، سنفهم معنى أن تكون مرعوبة وحرّة في آن!