يتهاوى لبنان تحت وطأة الخرائط الجديدة. يضيع ويتلاشى دوره بين خط الهند الواصل إلى حيفا وطريق الحرير الواصل إلى اللاذقية. ويرفد هذا الضياع والتلاشي ويكرّسهما ما يحصل في خلفية الأحداث، ويجعل كل ما يجري في الواجهة مجرد شكليات، لا تملك المقومات لتشكيل رافعة إنقاذ.
ففي هذه الخلفية عمليات تفريغ وتعبئة كفيلة بنسف الديموغرافيا الحالية، تعكسها هجرة مكثفة للبنانيين إلى أصقاع الدنيا، ونزوح مكثف للسوريين عبر حدود مستباحة، تحمي استباحتها مافيات، محمية بدورها من فائض قوة المحور الممانع.
وفيها أيضاً تعزيز البؤر الأمنية في المخيمات تحت تسمية «الإسلاميين»، الذين يتدفق السلاح إليهم من دون حسيب أو رقيب، وفي مخيمات فلسطينية لقلب المعادلات الحالية ومصادرة القرار الفلسطيني في الشتات، وتحويلها قنابل موقوتة تنفجر غبّ الطلب لابتزاز الأطراف السياسية اللبنانية.
وفيها فوضى أمنية متنقلة تحمل بذور زعزعة الاستقرار. وآخرها إطلاق النار على السفارة الأميركية في عوكر، وإلقاء القبض على عامل تسليم، يدّعي أنّه تصرف بدافع شخصي، ما يذكرنا باغتيال الضابط الطيار سامر حنا والجندي الإيرلندي في الجنوب اللبناني الصامد.
وفيها انهيارات اقتصادية متواصلة، وتصريحات تثير الاشمئزاز من وزير للمالية يتباهى بأنّه حقق إنجازاً وفتحاً مبيناً مع تأمين رواتب الموظفين والعسكريين والمتعاقدين حتى آخر السنة ومن دون استدانة... وأيضاً من وزير النقل والأشغال العامة يتبجح بأنه وضع رؤية لخطة مواجهة خط الهند وطريق الحرير، في حين تتقطع أوصال شبكة الطرق في لبنان لتتحول القيادة عليها مغامرات ومحاولات انتحار مستمرة، في حين يُسجّل التهرّب الجمركي مستويات قياسية مع مرفأ تمّ تفجيره خدمة للخرائط الجديدة. وبموجب هذه الخلفية الفالتة على احتمالات كارثية، يصبح تبرير بقاء السلاح غير الشرعي في جعبة سلاح «حزب الله» تحصيلاً حاصلاً بحجة حماية نفسه وبيئته. كذلك تصبح المبادرات الدولية والإقليمية، ومعها اجتماعات الخماسية، وأيضاً زيارات الموفدين، عبثاً لا يمكن البناء عليه، كما تجعل من المعطّلين الممعنين في خلافاتهم المستحيلة بحثاً عن صفقة ومكتسبات أحجار دومينو ملتصقة برقعتها حتى يحين موعد قبعها إذا ما انتفت الحاجة إليها. ففي حين يتابع لبنان سقوطه الحرّ إلى القعر، تبدو القوى الداخلية المتحكمة به، وعلى رأسها «حزب الله» كمن يلحس المبرد. إذ لم يعد مجدياً الخطاب القائم على التوجه شرقاً لأنّ لهذا الشرق مصالحه التي تدوس لبنان في طريقها، ومن ضمنه «الحزب» بالتأكيد، وحتى أنّ رأس المحور في إيران لن يتوقف عند هذا السقوط، وهو يحجز مكانه ومكانته بين الصين والهند والمملكة العربية السعودية وعينه على التقدم مع الولايات المتحدة في ملف المفاوضات. وكل هذه المعطيات وما سوف تفرزه من تطورات، سيجعل الورقة اللبنانية أكثر من هامشية، إلا إذا استدعت الحاجة مزيداً من الخراب مع فتح جبهات لزوم تحسين الأوراق والمكتسبات. وبين الأحداث الخلفية التي سوف يتأتى منها واقع جديد لجهة الديموغرافيا والاقتصاد، وفي ظل أنانية أصحاب القرار المصرّين على عدم القيام بأي خطوة بناءة للخروج من الاستعصاء، وبالتالي الاستمرار في استجداء التدخل الخارجي بما يناسب مصالح كل منهم، تتفسخ مفاصل الدولة في لبنان، ولا يعود ينفع فيها أي جهد لترقيع الوضع الحالي. وحتى لو تمّ التوصل إلى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة، ما الذي يقدر عليه عهد جديد لمواجهة التفاقم الاجتماعي والاقتصادي بفعل عملية التفريغ والتعبئة السكانية وغيرها؟ بالتأكيد لا جواب، ولا حلول سحرية لواقع جديد يستكمل مساره منيعاً وعميقاً، ذلك أنّه صنيعة مشاريع بعيدة المدى وضعها مهندسو الخرائط الجديدة.