غيّب الموت المطربة القديرة نجاح سلام عن 92 عاماً، التي حملت لبنان في صوتها وجالت به العالم، فشكّلت علامة فنيّة استثنائية وساهمت منذ بداياتها في نشر الأغنية اللبنانية الأصيلة، واشتهرت بأغانيها الوطنية لمختلف البلاد العربية قبل أن تضع الحجاب وتبتعد عن الساحة الفنية. وكتبت ابنتها سمر سلمان العطيفي عبر حسابها على شبكة «فيسبوك»: «وانتهى المشوار يا عروبة... ماما في رحاب الله»، من دون أن تشير إلى أسباب الوفاة.

وُلدت سلام في بيروت عام 1931، وهي حفيدة المفتي وابنة عازف العود الرائع ومدير برامج الإذاعة محي الدين سلام. في عام 1948، اصطحبها والدها إلى القاهرة حيث تعرّفت إلى أهل الفن وعمالقة الطرب، ومنهم كوكب الشرق أم كلثوم والموسيقار فريد الأطرش وشقيقته المطربة أسمهان والشيخ زكريا أحمد.
تزوّجت من أستاذ جامعي يدعى سلمان سعد ثم انفصلا وعادت وتزوّجت عام 1955 من الفنان محمد سلمان وانفصلا أيضاً بعد 9 أعوام بعدما أنجبت منه.
كانت الراحلة من أوائل الأصوات التي واكبت المشروع الأول لبناء هوية موسيقية لبنانية، بعد الاستقلال عن فرنسا في 1943، أي المشروع الذي غنّت سلام فيه من ألحان سامي الصيداوي («يا جارحة قلبي») ونقولا المني وإيليا المتني صاحب يتيمة «حوّل يا غنّام» بالتوازي مع أغاني نهوند (مثل «يا فجر لما تطل»)، بعدها انطلقت وغنّت في مصر وحلب ودمشق وبغداد وغيرها.
في عام 1956 قدّمت الفنانة الكبيرة أغنية «يا أغلى اسم في الوجود» التي غنّتها في حبّ مصر وحققت صدىً واسعاً، ثم أسّست شركة إنتاج مع سلمان أنتجت أفلامها اللبنانية. وخلال الحرب الأهلية اللبنانية استقرّت في مصر لكنها عادت إلى بيروت في عام 1991.

وبالرغم من أنها غنّت للرحابنة ولعبد الوهاب إلا أنها لم تنتمِ إلى مؤسساتهم ولم تكن حاملة راياتهم بل حافظت على تنوّع في الأساليب واللهجات، هي التي تعلّمت على يد السنباطي الذي درّب صوتها على المقامات الشرقية وفوارقها الدقيقة.
وللراحلة التي كرّمها «المعهد الموسيقي الوطني» في 29 تشرين الأول 2015، تاريخ فني حافل وأغانٍ بقيت في ذاكرتنا حتى اليوم، أشهرها: «ميّل يا غزيّل»، «الشب الأسمر جننّي»، «رقة حسنك وجمالك»، «دخل عيونك حاكينا»، «يا زمان الوفا»، «برهوم حاكيني»، بالإضافة إلى الكثير من الأغاني الوطنية التي اشتهرت بها في مختلف البلاد العربية إذ شاركت في العام 1973 مع الفنان محمد جمال في أغنية «سوريا يا حبيبتي» من كلمات وألحان زوجها محمد سلمان، وأغنية «مصر يا أغلى اسم في الوجود» التي مُنحت بعدها الجنسية المصرية. كما شاركت في تمثيل عدد من الأعمال السينمائية، ونالت من الرئاسة اللبنانية وسام الاستحقاق برتبة فارس تكريماً لها على أعمالها الوطنية التي قدّمتها.
في العام 2000، تحجّبت وابتعدت عن الأضواء، قائلةً إنّ: «الاعتزال لم يكن وارداً عندي، ولكن عندما ذهبتُ إلى الحج برفقة ابنتي وصهري وأدّيتُ الفريضة، عدتُ وأنا أرتدي الحجاب، ولكنني لم أعتزل الفن بل اتّجهت نحو الغناء الوطني والديني».

عزاء ورثاء
فور انتشار خبر الوفاة، ضجّت مواقع التواصل بصور نجاح سلام ومنشورات العزاء والرثاء لقامة الغناء التي خطفها الموت بصمتٍ مؤلم. ونعاها كبار المسؤولين والسياسيين، منهم رئيس الحكومة اللبنانية السابق تمّام سلام راثياً قريبته الراحلة، وواصفاً إيّاها بـ»الفنانة الكبيرة». واعتبر أن صفحة من تاريخ الفن والغناء في العالم العربي انطوت، وقال: «نجمة مضيئة في هذا الزمن الرديء ذوت ولكنّ نورها سيبقى بريقاً مشعّاً في تاريخ الفن والغناء العربي الأصيل. تألّقت وبرق نجمها في مرحلة غنية بالفن والفنانين الكبار، أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم وأسمهان وفريد الأطرش وصباح ووديع الصافي وغيرهم ممّن تركوا بصمات بل وتراثاً غنياً».
كذلك، نعاها رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إذ كتب عبر وسائل التواصل: «رحم الله الفنانة القديرة نجاح سلام، وأخلص التعازي لعائلتها ومحبيها». وعبّر النائب فؤاد مخزومي عن حزنه الكبير كاتباً عبر «فيسبوك»: «نجمةٌ أخرى من نجوم زمن الفن الجميل هوَت اليوم. الرحمة لروحها والصبر والسلوان لعائلتها ومحبّيها».
أمّا «نقابة الفنانين المحترفين» في لبنان فنعت الراحلة معتبرةً إيّاها رمزاً كبيراً من رموزها.
بدورهم، عبّر نجوم الفنّ والتمثيل عن بالغ حزنهم لرحيل سلام، حيث شارك الإعلامي ريكاردو كرم لقطات من لقاء نادر يجمع بينها وبين الكبير وديع الصافي وكتب: «كانت أياماً، وكان زمن العمالقة. وداعاً نجاح سلام». أما الشاعر والإعلامي زاهي وهبي فقال: «ترحل نجاح سلام، ويبقى صوتها المشعّ حاضراً في الذاكرة والوجدان. من آخر الكبار الذين طبعوا زمناً بفنهم الجميل وأغنياتهم الخالدة»، مضيفاً: «لها ركنٌ راسخ في قلبي وفكري هي التي كانت دائمة الحضور في برنامج «خلّيك بالبيت» ضيفةً متألقةً، ومحدِّثةً لبقة، ومُتصلةً تُثري الحوار مع أي ضيفة، ومُحِبةً تغمر الاستوديو بباقات الورود التي ترسلها إكراماً لهذه الضيفة أو ذاك الضيف».
كذلك، كتبت الفنانة نانسي عجرم: «برحيلها خسر لبنان والوطن العربي صوتاً طبع تاريخه وانحفر بوجدان كل من سمعه. الرحمة لروح الفنانة الكبيرة».
وعبّر الفنان مروان خوري عن أسفه لسماع خبر رحيل الفنانة القديرة كاتباً: «أعمالك ستبقى حاضرة معنا للأبد. وداعاً نجاح سلام».
بدورها، شاركت الفنانة ميريام فارس صورة الراحلة معلقةً: «الفنانة القديرة التي أحترمها كثيراً وأقدّر فنّها، والتي مع أغانيها بدأت مشواري الفني. رحلت من هذه الدنيا... ألله يرحمك يا أسطورة».
وتمنّت الممثلة كارمن لبّس الصبر والعزاء لعائلة سلام، وقالت: «الله يرحم فنانة زمن الغناء الأصيل التي تركت وراءها مسيرة مشرّفة».
أما الفنان ناصيف زيتون فوجّه تحيةً لروحها كاتباً: «كبرنا مع أعمالك وكنتِ مدرسة بالفن»، فيما ودّعتها الفنانة يارا قائلةً: «القديرة والمميزة، صاحبة الذكريات الخالدة والصوت العظيم. نجاح سلام ألله يرحم روحك الحلوة».

يُصلّى على جثمان الراحلة اليوم بعد صلاة الجمعة في مسجد الخاشقجي، لتُدفن بعدها في مدافن الأوقاف الإسلاميّة الجديدة – حرج بيروت. كما تُقبل التعازي يومَي السبت 30 أيلول والأحد 1 تشرين الأول في فندق راديسون بلو – سنتر دون الطابق الأول، من الساعة الثالثة عصراً، وحتّى السابعة مساءً.
