بعد عام من إقرار بيونغ يانغ رسميّاً قانوناً يعطيها الحق باستخدام ضربات نووية استباقية لحماية نفسها، وبعد أيام فقط من تحذير مندوب كوريا الشمالية كيم سونغ أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة من أن بلاده يمكن أن تدفع إلى حرب نووية في شبه الجزيرة الكورية بسبب «التهديدات العدائية من الخارج»، أي من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان، الدول التي وصفها زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بأنها «النسخة الآسيوية لحلف شمال الأطلسي»، يأتي إعلان وكالة الأنباء الكورية الشمالية الخميس أنّ المجلس التشريعي في بيونغ يانغ أقرّ قانوناً يدرج فيه الأسلحة النووية في دستور البلاد، في تحدٍ للعقوبات المتعدّدة التي فرضها مجلس الأمن الدولي، والتي تهدف إلى ردع كوريا الشمالية عن السعي للحصول على أسلحة نووية، وكرسالة ردع لواشنطن التي أرسلت أخيراً غواصات نووية استراتيجية آخرها «يو أس أس كنتاكي» إلى كوريا الجنوبية في تموز، وقاذفات نووية استراتيجية تحمل أسلحة نووية إلى شبه الجزيرة الكورية ومحيطها للمرّة الأولى منذ عقود.
أسّست كوريا الشمالية برنامجها النووي في العام 1962، ضمن ما سمّته التحصين الكلي للبلاد، وفي 2003 انسحبت بيونغ يانغ من معاهدة «عدم إنتشار الأسلحة النووية» التي كانت طرفاً فيها، لتبدأ بعدها التجارب النووية عام 2006، وعمليات إطلاق الصواريخ القريبة والبعيدة المدى. ويسمح هذا التعديل الدستوري لكوريا الشمالية حسب بيان البرلمان، بتعزيز قدرتها النووية كمّاً ونوعاً، لضمان حقّ البلاد بالوجود والتنمية وردع الحرب وحماية السلام الإقليمي والعالمي. فهي تريد زيادة عدد الرؤوس النووية التي تملكها ويتراوح عددها بين 40 و50 رأساً نووياً حالياً، كذلك زيادة مخزونها الحالي من المواد الإنشطارية الذي يكفيها لإنتاج 7 قنابل نووية كلّ عام.
تجري كوريا الشمالية تجارب صاروخية بشكل مستمرّ كجزء من برنامج يهدف إلى تطوير أسلحتها، فقد أجرت العام الماضي 34 اختباراً لأسلحتها، شملت 88 صاروخاً باليستيّاً يُطلق من الأرض وصواريخ «كروز»، فهي تمتلك صواريخ باليستية عابرة للقارات التي أطلقت 8 صواريخ منها في 2022، والتي يمكن تحميلها رؤوساً نووية مثل صاروخ «هواسونغ 14» الذي يصل مداه إلى 10 آلاف كلم، وصاروخ «هواسونغ 15» الذي يصل مداه إلى 13 ألف كلم، أي يمكنه الوصول إلى الولايات المتحدة وألاسكا وربّما أبعد، وهو يعمل بالوقود السائل ويشتعل على مرحلتين. وفي 2020، كشفت عن «هواسونغ 17» الذي يصل مداه إلى 15 ألف كلم. أمّا في عام 2023 فقد أجرت 13 تجربة إطلاق صواريخ، أهمها إطلاق صاروخها العابر للقارات الأكثر تطوراً «هواسونغ 18» الذي لم تعلن كوريا الشمالية عن مداه الأقصى، لكن أكّدت أنه أبعد من «هواسونغ 17» ويمكنه حمل رؤوس نووية عدّة، ويعمل بالوقود الصلب.
كما أنّ لكوريا الشمالية صواريخ تُطلق من الغواصات أحدثها «بوكجوكسونغ 5» الذي ظهر خلال العرض العسكري عام 2021، وهو يطلق من الغواصة التكتيكية الهجومية الحديثة التي أعلنت عنها في بداية الشهر الحالي. وهذه الغواصة تبدو معدّلة من الغواصة «روميو» السوفياتية، والتي حصلت عليها كوريا الشمالية من الصين خلال سبعينات القرن الماضي وبدأت في إنتاجها محلّياً، وتحتوي على 10 فتحات أنبوبية للإطلاق، ومسلّحة بصواريخ باليستية وصواريخ «كروز». وتعتبر القوّة النووية البحرية أكثر خطورة بفعل إمكانيّاتها في الغوص إلى أي مكان حول العالم وضرب أي هدف بشكل مفاجئ من دون مواجهة عائق المدى الفعّال للصاروخ أو استخدام سلاح المشاة.
كوريا الشمالية من الدول التي لا يمكن التكهّن بأفعالها، لذلك تقوم الولايات المتحدة بتمكين جيران كوريا الشمالية وتعزيز قدراتهم الردعية وتنشر منظومة الدفاع الجوي الصاروخي من طراز «ثاد» في قواعد عسكرية أميركية في جزيرة غوام التي تبعد 3500 كلم جنوب شرق كوريا الشمالية، كما في كوريا الجنوبية، والذي يمكنه اعتراض صواريخ بيونغ يانغ وبكين المتّجهة إلى دول المنطقة أو إلى الولايات المتحدة. ويُعدّ الأسطول السابع، الذي يقع مقرّه الرئيس في اليابان، أكبر القوات البحرية المنتشرة، بحيث يضمّ 14 مدمّرة وسفينة حربية، بعضها مُسلّح لاعتراض الصواريخ الباليستية، وصواريخ «توماهوك» البعيدة المدى، كما أنها تملك 1100 مقاتلة في المحيط الهادئ يمكن لبعضها اعتراض الصواريخ الباليستية. وتفتح واشنطن باب التفاوض الدائم مع بيونغ يانغ، لكن مع إقرار «التعديل الدستوري» يبدو أنّه لا يوجد نيّة كورية شمالية بالتفاوض، فهل يجرّ هذا الأمر المنطقة إلى خطر الإنزلاق نحو «حرب نووية» كارثية؟