حسان الزين

وضاح خنفر: قراءة سياسية واستراتيجية في السيرة النبوية

6 دقائق للقراءة
النص القرآني عند وضاح خنفر مرجع تاريخي أيضاً (فايسبوك)

النظام العالمي يتغيّر: من الأحادية إلى تعدّد الأقطاب. وهناك، بين المسلمين، «إشكالية التعامل مع الواقع والمستقبل». وسط هذا، اختار وضّاح خنفر، المدير الأسبق لقناة «الجزيرة» القطرية والمقيم في تركيا، أن يعود في التاريخ إلى زمن الدعوة الإسلامية. وفيما يعود بعدّة الصحافي، ليواكب ذاك «الحدث التاريخي»، يقدّم «قراءة سياسية واستراتيجية في السيرة النبوية». لكن تلك العودة ليست «أصولية» بالمعنى الشائع، إنما هي «هجرة نحو المستقبل... لكي نسعى لبناء وعي يقودنا نحو تغيير آمن».



لكتاب «الربيع الأول» (جسور للترجمة والنشر)، كما يبدو، هدفان، الأول عرض الظروف التاريخية للدعوة الإسلامية؛ والثاني تقديم «قراءة سياسية واستراتيجية في السيرة النبوية». والهدفان متساويان، فمن دون عرض الظروف التاريخية لا يتظهّر البعد السياسي والاستراتيجي في السيرة النبوية، بل يغدو مجرّد مديح لماضٍ لا يأتي بالنتائج المرجوّة اليوم. وفي المقابل، من دون القراءة السياسية والاستراتيجية في السيرة النبوية، يبقى العرضُ مسحاً تاريخيّاً أو توثيقاً إعلاميّاً، من دون الروح الذي غيّر ذاك الزمن وجغرافيّته ومجتمعاته وإنسانه.

وليس هذا الاختيار التأريخي والسياسي عبثيّاً. فخنفر الذي لا يخوض في أمور دينية، ولا يساجل بشأن صلاحية الإسلام للعصر، ينطلق من رسوخ الإسلام ديناً اليوم كما كان راسخاً في النبي والفريق المؤسس خلال المواجهة (مع قريش وحلفائها) التي شهدت اختراق بيوت السادة وانتقالاً من الفريق المؤسس إلى الجماعة فالأمة. لكن، وعلى الرغم من هذا الرسوخ، يعتقد خنفر أن المسلمين في هذا العصر، كما في كل زمان ومكان، هم أمام تحدٍّ: الظروف التاريخية ومعرفتها، وإنتاج سياسة واستراتيجية... والسيرة النبوية درس.

وهذه إحدى قيم الكتاب الذي يستثمر فيه خنفر تقنيات الكتابة الإعلامية إلى جانب البحث التاريخي، فيقدّم نصّاً حيويّاً، عميقاً وسهلاً، تاريخياً وعصرياً، عرضاً تاريخياً وقراءة سياسية واستراتيجية في آن. فالمؤلّف ليس داعية، ولا يَغرق أو يُغرق الكتاب والقارئ في مباحث دينية، بل هو إنسان مسلم في هذا الزمان يبحث من هذا الموقع عن انتماء إلى عصره. ويعتقد أن ذلك يكون من خلال معرفة الظروف وإبداع سياسة واستراتيجية.

يكتب: «عاشت الأمة الإسلامية عقوداً من الأزمات المتلاحقة، بعضها استراتيجي، وبعضها معرفي، واليوم نحصد ثماراً مريرة لهذه الأزمات... الواقع الذي نحياه في عالم اليوم يستدعي نظراً عميقاً في الفعل السياسي والاستراتيجي، فالبنى السياسية اختلفت جوهريّاً عما كانت عليه أيام النبي والخلافة الإسلامية... إشكالية التعامل مع الواقع والمستقبل تتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق من ذلك، فالواقع المتجدّد يفرض قيماً عملية متجدّدة، سيمارسها الإنسان من أجل المضي في الحياة اليومية، وسيرفضها البعض نظرياً من أجل الحفاظ على الهوية، عندها يقع المرء في ازدواجية ضارة يصطدم فيها الواقع مع المثال... هذا الفصام خطير وضار، يتعارض مع الاستقامة المعرفية والنفسية، ويفشل في بناء شخصية متوازنة، ولذلك نرى المتخوّفين من الجديد يحاولون التغلّب عليه بطريقة من اثنتين: الأولى تنطلق من الشعور المستمر بالإثم والتشاؤم والتشدد ورفض الواقع وغياب التسامح،... والثانية تحاول مأسسة الفصام من خلال فصل الحياة العملية عن الحياة الروحية والاعتقادية بالكامل... لن تُحل المشكلة بأي من الطريقتين... ويبقى الحل الأجود والأقوم هو أن تنسجم منظومة المرء المعرفية مع الواقع المتجدّد، وأن يمتلك رؤية قادرة على تقديم نموذج معرفي موحّد، لا ازدواجية فيه ولا انفصام. وهذا يتطلب وعياً عميقاً بالواقع وفهماً متجدداً للمثال» (382).

يكشف هذا اختلاف خنفر عن «الأصوليّات» التي يساجلها بشكل غير مباشر. فهو إذ يعود إلى «الحدث التاريخي» لا يفعل ليجهّز المسلم بأصل كي يكرّره عنوة عن «الزمن المتجدد»، إنما يقوم بذلك كي يقول إن النبي محمد قابل الواقع السياسي والاقتصادي بمنهج استراتيجي وليس بالتشبّث بالدين فحسب. وبالتالي، فإن ذلك يقتضي، بداهة ومن أجل معالجة مشكلات الزمن الراهن، مواجهة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، بمنهج استراتيجي، أي بالمبادرة والتجديد كما فعل صاحب السيرة النبوية، وليس بردة فعل أو ماضوية.

وهذا ما يفسّر لماذا رجع خنفر إلى التاريخ معتمداً النص القرآني كمرجع أول للتفسير والفهم، إضافة إلى مصادر أخرى: المرجع الثاني «يكمن في التعامل مع وقائع السيرة النبوية الواردة في المراجع الإسلامية، مقارنة بالتاريخ المدوّن في الفترة ذاتها لدى الأمم الأخرى كالفرس والروم والحبشة (دولة أكسوم) والحميريين وغيرهم». والمرجع الثالث «يتمثّل في قراءة الأحداث المنفردة في سياق عام، عملاً بمبدأ عُرف عن السياسة، من أن الاعتماد الحصري على المعلومات، وإن صدقت، يَفشل في فهم الحدث ودلالاته، فالمعلومة من دون سياقها لا تُقدّم معرفة». أما المرجع الرابع فهو «يتمثّل في شمولية النظر إلى الواقع الاستراتيجي، فموازين القوة الاستراتيجية لا تصنعها الجيوش والتحالفات فحسب، بل هي نتاج لعملية مركّبة متعدّدة العناصر، يتداخل السياسي فيها بالاقتصادي والاجتماعي والديني، ويتفاعل الإقليمي فيها مع الدولي» (22).

وفيما يتحرّر خنفر من النظرة إلى النص القرآني باعتباره أصلاً إيمانياً فحسب متعاملاً معه كمرجع تاريخي أيضاً، يتضح هدف رجوع المؤلّف إلى التاريخ. فالظروف التاريخية التي شاءت الحكمة الإلهية أن تنطلق منها الدعوة الإسلامية درسٌ مكثّف متجدد في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة. وها هو خنفر يقرأه سياسياً واستراتيجيّاً من خلال السيرة النبوية. والهدف بناء سياسة واستراتيجية لإنسان اليوم، لا بالانتماء الديني الهويّاتي فحسب، إنما بفهم الظروف السياسية والإقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعامل مع ذلك باستقامة معرفية ونفسية.

وفيما يُبرِزُ خنفر من هذا الدرس التاريخي صفحة انتصار الإسلام بالتزامن مع أزمتي الإمبراطوريّتين الفارسية والبيزنطية (العالم من حول العرب: قديمٌ ينهار وجديدٌ ينبعث)، ثمة صفحات أخرى تحضر بقوة في الكتاب. ومن أهم هذه الصفحات، التي يعود خنفر من أجلها إلى التاريخ، هي تقدّم مكّة من بلدة هامشية محدودة إلى مركز في الإقتصاد والسياسة والجغرافيا والثقافة، وذلك من خلال المنهجية الاستراتيجية التي صاغت إيلافات (عقود وعلاقات خارجية) وصنعت انتصارات. ولا يقل عن ذلك أهمية ما قام به نبي الإسلام في يثرب التي صيّرها مدينة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافيّاً. ففيها حدث الانتقال «من دار الندوة إلى بيت الله» و»من الموالاة إلى المؤاخاة». وهناك كانت «المبادرة الأهم للنبي»: الصحيفة التي «تُعتبر القانون الأساسي للمدينة» (دستور جديد وعقد اجتماعي). وهذه الأمور، وغيرها من المبادرات والإجراءات، هي ما رشّح الإسلام ليكون دين «تعارف» بين القبائل والأمم، واستطاع بناء اقتصاد عابر للحدود والصراعات. ولعل تلك الرسالة الكبرى للكتاب، وهي موجّهة إلى المسلمين ودولهم، كي ينهضوا بدورهم في العالم ويعيدوا صوغ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية والحضارية.