ريتا عازار

أسلحة من ورق

هكذا استخدمت "الحرب الباردة" الكتب بدل الرصاص

6 دقائق للقراءة

يكشف كتاب "The CIA Book Club: The Best-Kept Secret of the Cold War" الصادر العام الماضي، للصحافي والمؤلِّف البريطاني Charlie English، كيف ساعدت "وكالة الاستخبارات الأميركية" في إدخال ملايين الكتب الغربية إلى دول أوروبا الشرقية، لتفتح نافذة على أفكار كانت محجوبة عن المواطنين وتشكّل وعيًا جديدًا، بعيدًا من الرقابة الصارمة للنظام الشيوعي.


نظام رقابة مركزي

لفهم أهمية هذا البرنامج، لا بدّ أولًا من النظر إلى طبيعة الحياة الثقافية في "دول الكتلة الشرقية"، حيث كانت الحكومات الشيوعية ترى في السيطرة على المعلومات شرطًا أساسيًا للحفاظ على السلطة. لذلك خضعت وسائل الإعلام والنشر لنظام رقابة مركزي شديد. في بولندا مثلًا، كانت هيئة حكومية تُعرف باسم "المكتب الرئيس لمراقبة العروض والمنشورات العامة" تشرف على معظم ما يُنشر، من الكتب والصحف إلى النصوص المسرحية والأبحاث الأكاديمية. وكان على الكُتاب والناشرين تقديم أعمالهم للموافقة قبل الطباعة، وغالبًا ما كانت النصوص تُعدَّل أو تُمنع إذا اعتُبرت مخالِفة للخط الرسمي للدولة.

لم تقتصر الرقابة على السياسة المعاصرة، بل امتدّت إلى التاريخ أيضًا. فقد حُجبت أحداث يمكن أن تُلقي بظلال سلبيّة على الاتحاد السوفياتي أو النظام الشيوعي، مثل "البروتوكولات السريّة لاتفاق مولوتوف – ريبنتروب" الذي قسّم أوروبا الشرقية بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي عام 1939، وكذلك "مذبحة كاتين" التي قُتل فيها آلاف الضباط البولنديّين عام 1940. ومع هذا التلاعب بالمعلومات، اعتاد كثير من المواطنين التعايش مع نوع من الازدواجية الفكرية، يردّدون الرواية الرسمية في العلن، بينما يُدركون في حياتهم الخاصة أنها لا تعكس الحقيقة كاملة، وهي الحالة التي وصفها George Orwell بمفهوم "التفكير المزدوج".


دَور "CIA"

في هذا السياق، اكتسبت الكتب الواردة من الخارج أهمية خاصة. فالأدب الغربي لم يكن مجرّد مصدر ترفيه بل كان منفذًا إلى أفكار ونقاشات بديلة. وقد وجدت أعمال George Orwell مثل "1984" و "مزرعة الحيوانات" صدًى واسعًا بين قرّاء أوروبا الشرقية، إذ بدت صورة المجتمع الشمولي الذي يراقب مواطنيه ويُعيد كتابة التاريخ، قريبة من واقعهم.

لكن وصول هذه الكتب لم يكن دائمًا نتيجة مبادرات فردية، إذ يوضح الصحافي Charlie English أن "وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - CIA" أدّت دورًا في تسهيل انتشار الأدب الغربي خلف الستار الحديدي. ففي بدايات "الحرب الباردة" جرّبت الولايات المتحدة الأميركيّة إسقاط منشورات دعائية فوق أوروبا الشرقية باستخدام البالونات، لكن هذه الحملة لم تحقق تأثيرًا كبيرًا لأن معظم المنشورات كان يجري التخلّص منها سريعًا.


سياسة وفلسفة وأدب

ما لاحظه المخطِّطون الأميركيون لاحقًا هو أن الكتب تُعامَل بطريقة مختلفة. فالكتاب ليس منشورًا عابرًا، بل مادة يمكن الاحتفاظ بها وتداولها بين القرّاء. فقد يتسلّم طالب جامعيّ في وارسو كتابًا صغيرًا من صديق موثوق، يخبّئه سريعًا ويقرأه ليلًا بعيدًا من الأنظار، ثمّ يمرّره إلى شخص آخر، بحيث يمكن لنسخة واحدة أن تقرأها عشرات الأيدي.

أدّى George Minden، وهو منفيّ رومانيّ عمل مع "لجنة أوروبا الحرّة"، دورًا مهمًّا في تطوير هذه الاستراتيجية. فقد أشرف على برنامج واسع لتوزيع الكتب في أوروبا الشرقية بدعم سرّي من وكالة الاستخبارات المركزيّة، وكان يرى أن الهدف ليس الدعاية المباشرة بل توسيع مساحة الحريّة الفكرية. انعكس ذلك في طبيعة الكتب المُرسَلة، إذ شمل البرنامج أعمالًا في الفلسفة والأدب والعلوم الاجتماعية إلى جانب النصوص السياسية. وقد تداول القرّاء كُتب مفكّرين مثل: Hannah Arendt و Bertrand Russell و Albert Camus، إضافة إلى روايات لكُتاب مثل Kurt Vonnegut و Philip Roth، كما أُرسلت مجلّات ثقافية وأخرى تعكس أسلوب الحياة في الغرب.


وسائل تهريب الكتب

كان إدخال هذه الكتب إلى أوروبا الشرقية مهمّة معقدة بسبب التفتيش الصارم على الحدود. لذلك استخدم المهرِّبون وسائل مبتكرة لإخفائها، مثل وضعها داخل كتيِّبات تقنيّة أو علب طعام، أو طباعتها في نسخ صغيرة يسهل إخفاؤها. كما كان بعض الموسيقيّين الذين يقومون بجولات فنيّة يُخفون الكتب داخل دفاتر النوتة الموسيقية، بينما يحملها المسافرون في حقائبهم.

بعد وصولها، كانت الكتب تنتشر عبر شبكات سريّة من القرّاء. ومن الأمثلة المعروفة "المكتبة الطائرة" التي أنشأتها الناشطة البولندية Teresa Bogucka، حيث وضعت نظامًا سريًّا لإعارة الكتب المحظورة بين القرّاء في وارسو، بشكل تنتقل فيه النسخ باستمرار من شخص إلى آخر.

ومع الوقت، تطوّرت هذه المبادرات إلى حركة نشر سريّة واسعة في بولندا عُرفت باسم "الدَّورة الثانية للأدب". فقد بدأ الناشطون بطباعة كتبهم باستخدام مطابع سريّة خارج رقابة الدولة. وكان من أبرز الشخصيات في هذه الحركة، الفيزيائيّ ميروسواف خوييتسكي الذي أنشأ دار نشر سريّة باسم "NOWa"، ورغم الاعتقالات والمضايقات من قبل الشرطة السريّة، استمرّت هذه الشبكات في العمل.

بحلول ثمانينات القرن العشرين، أصبحت حركة النشر السريّة واسعة في بولندا، إذ طُبعت ملايين النسخ من آلاف العناوين وتداولها القرّاء. وأسهم انتشار هذه المواد في تقويض احتكار الدولة المعلومات وخلق بيئة فكريّة دعمت ظهور حركات اجتماعية وسياسية قوية، أبرزها "حركة التضامن" التي تحدّت الحكم الشيوعي.


صراع الأفكار والمعرفة

ويشير English في كتابه، إلى أن برنامج الكتب لم يكن السبب الوحيد في انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، إذ أدّت عوامل اقتصادية وسياسية متعدّدة دورًا حاسمًا. لكن هذه المبادرة ساهمت في توسيع الفضاء الفكري وإتاحة تداول أفكار لم تكن متاحة في المجال العام.

تكشف هذه القصّة جانبًا مهمًّا من طبيعة الصراع في الحرب الباردة، حيث لم يكن الصراع عسكريًّا فقط، بل كان أيضًا صراعًا على الأفكار والمعرفة. فالأنظمة الشموليّة تعتمد على التحكّم بالمعلومات، ولذلك يمكن للأدب والثقافة أن يُشكِّلا تحدّيًا غير مباشر لهذه السيطرة.

في النهاية، يُذكّر كتاب "The CIA Book Club" بأن الأفكار يمكن أن تكون قوّة سياسيّة حقيقيّة. فالكتب قادرة على عبور الحدود وفتح آفاق جديدة للتفكير، وأحيانًا تبدأ التحوّلات الكبرى في لحظة هادئة: قارئ يفتح كتابًا ويكتشف طريقة مختلفة لفهم العالم.