هناك نوع من الاستسلام التام لفكرة أنّ الحلول للأزمات اللبنانية لن تأتي إلا من الخارج. تغذّي هذا المنحى القوى التي تمنع سير الأمور حسب الأصول الدستورية، فتربط التئام اجتماعات المجلس النيابي، تارة بالحوار وطوراً بالتوافق، وترجئ ضمن حساباتها الخاصة الفئوية، ونتيجة لارتباطاتها الإقليمية، حسم أساسيات انتظام الحياة السياسية اللبنانية، من انتخاب رئيس للجمهورية وصولاً إلى قيام حكومة ذات رؤية تغييرية وإصلاحية.
منع المؤسسات من القيام بدورها في تجديد المسؤوليات القيادية، وفي مقدّمها منع المجلس النيابي من انتخاب رئيس للدولة هو ما فتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات والـ"اهتمامات" الخارجية. مجموعة الدول الخمس قامت نتيجة للكمين الداخلي الذي نُصب لمنع العملية الديمقراطية، ومع توالي اجتماعات المجموعة، واعتمادها فرنسا وسيطاً، من دون أن تعفي نفسها من اتصالاتها الخاصة بالفرقاء اللبنانيين، حلّ الخارج محل الداخل في البحث عن مخارج.
واكتمل الطوق حول شعار لبننة الاستحقاق من دون أن يتمكّن من كسره، أو من طمس المعنى العميق للعجز الداخلي وأسبابه. فتقدّم الخماسية إلى الواجهة سببه التعطيل الداخلي، وهذا التعطيل الذي يؤدي إلى تراكم فشل المجموعة، لا يمكن نسبته فقط إلى الداخل، وإنّما إلى حسابات داخلية يديرها مستثمرون في الخارج أيضاً.
عندما تترسّخ في أذهان اللبنانيين فكرة الحاجة إلى الخماسية، وضرورة انتظار عجائبها، سيصبح متاحاً ومشروعاً التطلّع إلى "متطوعين" آخرين في "المجتمع الدولي والإقليمي" يتدخّلون ويدلون بدلوهم ومطالبهم.
الخماسية هي، بالنسبة للمحور الآخر الذي يطرح نفسه طليعة "الممانعة والمقاومة" في منطقة "الساحات الموحدة"، مجموعة معادية في الحدّ الأقصى ومشبوهة في الحدّ الأدنى. وسيكون دفناً للرؤوس في الرمال عدمُ رؤية ما يريده هذا المحور وطليعته إيران ذات الانتشار الميليشياوي المسلح، في مقابل ما تسعى إليه الخماسية الأميركية- الأوروبية- العربية.
لبنان هو موقع أساسي في السياسة الإيرانية الخارجية. والقوى التي ترعاها إيران في لبنان هي لها بمثابة "درّة التاج" الإيراني، فهل تسمح بأقل من أن تكون درّة التاج اللبناني؟
لإيران نظرة نقيضة لنظرة الخماسية إلى لبنان وموقعه، ومعادية لأعضاء في المجموعة إلى حدّ الحرب عليها، ولذلك لن يكون سهلاً بتُّ الملفات اللبنانية، بل ربّما تتعفّن قبل أن يظهر المخلص.
إيران تريد طرد أميركا وجميع القوى الأجنبية من غرب آسيا. هي ترفع هذا الشعار وتعمل لتوطيد قيام ثلاثية أمنية مع روسيا والصين من أجل تنفيذه في ساحة تعتبرها مجال نفوذها الإقليمي.
قبل أيام كرّر مستشار المرشد حسين شريعتمداري تمسّكه بضمّ البحرين، وقوله إنّ الجزر الإماراتية وسكان الإمارات "الأصليين" يوالون إيران، وفي مرّات سابقة دعا لاحتلال السفارة الأميركية في بغداد، من ضمن الحملة لطرد الأميركيين من الخليج والمشرق اللذين اعتبرهما قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامة "منطقة نفوذ إيرانية... وهذا ليس محض دعاية أو بروباغندا إعلامية بل نترجمه على أرض الواقع".
على أرض الواقع انسداد كامل في لبنان، مرفق بـ"دليفري" إلى عوكر؛ وبعيداً في شبه الجزيرة العربية قصف حوثي على قوة بحرينية، لم يكن كثيرون سمعوا بوجودها على الحدود الجنوبية للسعودية...