رواد مسلم

الحلّ السياسي يبقى الأكثر احتمالاً لإنهاء الحرب في أوكرانيا

5 دقائق للقراءة
الحرب أجهدت الطرفَين المتقاتلَين واستنزفتهما (أ ف ب)

في ظلّ تزايد دعم دول حلف شمال الأطلسي وفي مقدّمها الولايات المتحدة للجيش الأوكراني في حربه ضدّ الجيش الروسي الذي يخوض «عملية خاصة» على الأراضي الأوكرانية منذ شباط 2022، وفي مرحلة مصيرية من الهجوم الأوكراني المضادّ لإستعادة الأراضي المحتلّة ومن ضمنها شبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا في 2014، يأتي خطاب الرئيس الروسي بمناسبة مرور عام على ضمّ جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك ومقاطعتي خيرسون وزابوريجيا، ليؤكّد دفاعه عن المواطنين «الروس» في شرق أوكرانيا وجنوبها، ما يؤكد إصرار روسيا على عدم التنازل عن الأراضي الأوكرانية التي ضمّتها خلال الحرب، بالتزامن مع تأكيد واشنطن دعم كييف بالأسلحة النوعية واعتبار نجاح أوكرانيا في الهجوم المضادّ يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة الاستراتيجية.

من الواضح أنّ الطرفين يصعّدان مواقفهما من الحرب، فالجيش الروسي قد بنى دفاعاته بشكل قويّ جعل من الصعب جدّاً إختراقها من الجيش الأوكراني في فترة الصيف المناسبة لإنجاح الهجوم المضادّ بواسطة المدرّعات، كما يزيد حركات التعبئة العسكرية أخيراً بعد توقيع دعوة 350 ألف متطوّع ليلتحقوا بما كان يعرف بقوات «فاغنر»، وتوجيه دعوة التجنيد السنوية الثانية لهذا العام، ما يؤكّد إصراره على متابعة القتال. وتُقابله النجاحات الأوكرانية الأخيرة بإستعادة مناطق عدّة، وإلتزام الولايات المتحدة بإرسال صواريخ بعيدة المدى التي تُهدّد العمق الروسي وقرب وصول مقاتلات «أف 16» التي تحمي الأراضي الأوكرانية والقوات البرية المهاجمة بشكل شبه كامل، وضرب المواقع العسكرية القيادية في شبه جزيرة القرم الاستراتيجية، ما يُبيّن أنّ فرص التسوية السياسية في هذه الحرب أصبحت ضئيلة جدّاً في نوايا الطرفين المُعلنة، وأنّ الحسم العسكري سيكون السبيل الوحيد.

لكن من وجهة نظر عسكرية، فإنّ الأهداف الروسية الأساسية للعملية الخاصة لم تتحقّق، لا بل تغيّرت كلّياً، فبعدما كان هدف الكرملين إسقاط نظام كييف بعد وصول مشاة الجيش الروسي إليها بشكل مفاجئ في الأيام الأولى للحرب، أصبح الهدف المعلن مجرّد الحفاظ على مقاطعتي خيرسون وزابوريجيا اللتَين سيطر عليهما الجيش الروسي خلال الأيام الأولى للحرب، والتمسّك بمنطقتَي لوغانسك ودونيتسك اللتَين انفصلتا عن أوكرانيا وانضمّتا إلى روسيا الاتحادية. وحتى هذا الهدف لا يبدو أنّها قادرة على تحقيقه في ظلّ التقدّم الأوكراني على جبهة باخموت ومحور روبوتين وصولاً إلى منطقة ميليتوبول الاستراتيجية في زابوريجيا.

أمّا بالنسبة إلى الجيش الأوكراني المُدافع عن أراضيه، فقد غيّر دوره القتالي من المُدافع إلى المُهاجم ضمن هجوم مضادّ إنطلق في أوّل الصيف، لكنّ تباطؤ هذا الهجوم في وجه الدفاعات الروسية الصلبة، أفشل طموحات القيادات الغربية بالتقدّم نحو مناطق استراتيجية قبل وصول الشتاء. فبالرغم من استعادة مناطق في زابوريجيا وفي باخموت، لكن ليس لها قيمة عسكرية يُمكن بناء الخطط الهجومية عليها. لذلك، يبدو أنّ الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، استدركت الواقع الهجومي البطيء الذي لم يستطع استرجاع سوى 220 كلم من أصل 20000 كلم محتلّ، وأعلنت إرسال صواريخ بعيدة المدى «أتاكمز»، التي بالطبع لن تُساعد القوات البرية على التقدّم، لكنّها ستضغط على الكرملين بوجوب الإنتقال إلى طاولة المفاوضات، خصوصاً إذا كانت أهداف الصواريخ مراكز القيادة والسيطرة خلف الخطوط الأمامية.

هذا الجمود يجعل من الاستنزاف البشري والمادي والعسكري مصير إستمرار العمليات العسكرية، وهذا ما يسبّب الإجهاد لدى الطرفين في الميدان. لذلك، يعتمد الطرفان على المواجهات البعيدة عبر المسيّرات الجوية والبحرية والهجمات الصاروخية، إضافة إلى زيادة عمل الإستعلام التكتي لمراقبة تحرّكات العدو وتموضعه لضربه. فبالرغم من تمكّن الدفاعات الجوية لكلا الطرفين من إسقاط نسبة عالية من هذه الهجمات، لكنّ العدد القليل الذي يُصيب أهدافه يؤثّر على صانعي القرار العسكري، وهذا ما تعمل الولايات المتحدّة على تصفيره من خلال تقديم مقاتلات «أف 16» وأنظمة الدفاع الجوي.

لذلك، بات من المستبعد، وفق نوعية الأسلحة وعددها المُعلن لدى الطرفين، حتّى بعد وصول 31 دبابة «أبرامز» و6 مقاتلات «أف 16» مطلع عام 2024، أن يكون هناك حسم عسكري ميداني إلّا إذا حصلت أوكرانيا على أعداد كبيرة من الدبابات والمقاتلات والذخائر وأطلقت هجوماً مفاجئاً في التوقيت والموقع المناسبَين. إنّ هذا التصعيد الإعلامي عند الطرفين ليس سوى ورقة ضغط يُمكن استخدامها في إطار الحلّ السياسي الذي يعتبر الأكثر إحتمالاً لإنهاء الحرب، للدخول في مفاوضات بسقف عال قبل تقديم التنازلات، التي يُمكن أن تكون مشروطة بعدم إنضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي وإلتزامها بالحياد، مقابل إنسحاب روسي جزئي أو كلّي من المناطق التي احتلّتها موسكو في الحرب مع احتمال كبير بتمسّكها بشبه جزيرة القرم.