رواد مسلم

وقف الدعم الغربي لأوكرانيا يُعرّضها لخطر وجودي

5 دقائق للقراءة
تُعتبر أميركا أكبر داعم عسكري ومالي لأوكرانيا (أ ف ب)

تمكّن الجيش الروسي من الصمود دفاعياً في وجه الهجوم الأوكراني المضاد الذي يقترب من فقدان عاملي الطبيعة والطقس المناسبين في الصيف لحركة المدرّعات (الدبابات السلاح الأساسي في الهجوم المضادّ)، المشاة والمدفعية، ضمن مخطّطاته الهجومية في الشتاء القريب. إنّ تجميد الصراع الميداني بين الجيشَين وإطالة الحرب يصبّ في مصلحة الجيش الروسي الذي ما زال يسيطر على مجمل الأراضي الأوكرانية التي احتلّها منذ إنطلاق «العملية الخاصة» في شباط 2022، ولم تتمكّن استراتيجية الهجوم الأوكراني المضادّ بمساعدة الغرب من التقدّم بسرعة نحو ميكولايف الساحلية في زابوريجيا التي كانت الهدف الأساسي في الاستراتيجية الجديدة، بهدف قطع الجسر البري عن شبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا عام 2014، بل كان التقدّم بطيئاً، ما ساعد الجيش الروسي على تقوية دفاعاته.

دفع التقدّم البطيء الدول الحليفة لأوكرانيا إلى التساؤل عمّا إذا كان من المجدي مواصلة دعم المجهود العسكري لكييف، الذي يُكلّف الدول الداعمة ثمناً باهظاً ينعكس سلباً على اقتصاداتها، أو بدلاً من ذلك التركيز على التفاوض من أجل تسوية سلمية بين طرفي الحرب، الذي سيعكس ضعف الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وسيكون لمصلحة الأنظمة الاستبدادية، على رأسها روسيا المعنية مباشرة، والصين التي ستجد أنّ المواجهة العسكرية يُمكن أن تكون سبيلاً لتحقيق أهدافها الاستراتيجية والسياسية والقومية، ضدّ أعدائها غير الأعضاء في الناتو أو أي أحلاف عسكرية، كتايوان.

تُراهن موسكو على تعب حلفاء أوكرانيا من دعمها المستمرّ لوقت طويل، فهي تعمل على إطالة أمد الحرب لاستنزاف الدول الغربية الداعمة. ويبدو أنّ سياسة «إنهاك الأعداء» الروسية ايجابية، فقد بدأت بعض دول جوار أوكرانيا بالتراجع عن لعب دور الداعم الدائم للمجهود الحربي الأوكراني. فسلوفاكيا الدولة الجارة نقلتها صناديق الاقتراع إلى تحسين العلاقات مع موسكو بعد فوز حزب «سمير أس دي» بزعامة روبرت فيكو، الذي وعد بعدم إرسال قطعة حربية واحدة إلى أوكرانيا ووعد بتحسين العلاقات مع موسكو. أمّا بولندا التي قادت منذ بدء الحرب تحالف «الصقور» الداعم لأوكرانيا، بدأت تتراجع وتوقّفت عن تسليح أوكرانيا للتركيز على تعزيز قوّتها الدفاعية، وانتقلت إلى دعم كييف من خلال تمرير شحنات الحبوب الأوكرانية عبر أراضيها فقط من خلال اتفاقية الممرّ الأخضر.

أمّا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الداعم الأوّل لأوكرانيا، فقد أقرّ الكونغرس تشريع تمويل موَقّت للحكومة الفدرالية لتجنّب الإغلاق الحكومي، دون أن يتضمّن أي بند مساعدات لكييف مقابل عدم تخصيص تمويل لمعالجة الهجرة غير الشرعية من المكسيك. ونتيجة هذا التشريع الجديد، لن تحصل أوكرانيا على مساعدات بقيمة 24 مليار دولار بحلول 2024، وستنقطع المساعدات الأميركية لكييف في غضون بضعة أشهر، علماً أنّ الولايات المتحدة تقود «تحالف رامشتان» لدعم أوكرانيا عسكرياً، الذي يضمّ عشرات الدول والذي يُقدّر حجم المساعدات التي قدّمها حتّى تموز الماضي بقيمة 166 مليار دولار، من ضمنها 113 مليار دولار من الولايات المتحدة فقط وعلى 4 حزمات.

المساعدات الأميركية لا تذهب فقط لتزويد أوكرانيا بالأسلحة، فقد تلقّت وزارة الدفاع غالبية 54.7 في المئة من مجمل المساعدات الأميركية أو ما يُعادل 61.8 مليار دولار، وذهب ثاني أكبر مبلغ من الأموال إلى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بنسبة 32.3 في المئة من الأموال المخصّصة أو ما يُعادل 36.5 مليار دولار. أمّا نسبة 8.8 في المئة، فذهبت إلى وزارة الخارجية لمساعدة اللاجئين والتمويل العسكري الأجنبي، حسب مركز الدراسات الاستراتيجية الأميركية.

سيكون لأيّ توقّف للدعم الأميركي لكييف مطلع العام المقبل، انعكاسات دراماتيكية لمصلحة روسيا، فبالرغم من تطوّر قدرة أوكرانيا على تصنيع أسلحة متطوّرة، لكنّ الاقتصاد الأوكراني يمرّ بصعوبات لن تمكّن المصانع العسكرية من تصنيع الأسلحة والذخائر اللازمة لمواجهة الجيش الروسي الضخم، فيما تشهد القوات الأوكرانية المُهاجمة نقصاً حاداً في الذخائر. لكن إذا تمكّنت كييف من تصنيع ذخيرتها وأسلحتها وفقاً لاحتياجات المعارك، فهذا سيُحرّرها من القيود المفروضة عليها من الداعمين الغربيين. لذلك، لا بدّ من أن تتّجه أوكرانيا للصناعات المحلّية وتعديل الأسلحة التي ورثتها عن الاتحاد السوفياتي، وطلب الدعم المالي والتقني من الدول الداعمة.

عامل الوقت في هذه الحرب من أهمّ العوامل التي تؤثر على الطرفين، فإنّ إنتقال أوكرانيا إلى التصنيع المحلّي يجب أن يحصل بسرعة في هذه الفترة التي يُريد فيها الجيش الروسي إضعاف الزخم الأوكراني، حتّى لو كان بطيئاً. لكنّ وقف الدعم الغربي، لن يُمكّن كييف حتّى من التصنيع المحلّي وسيُجبرها على تقديم تنازلات كبيرة لصالح روسيا لإنهاء الحرب، ما يُشكّل خطراً من غزو روسي مفاجئ لكامل أوكرانيا قبل بدء المفاوضات، خصوصاً بعد الإعلان عن تشكيل 9 أفواج جديدة ستعمل في الأراضي الأوكرانية المحتلّة.