ستيفن والت

إدارة بايدن مدمنة على عقد الشراكات

8 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

الرئيس الأمريكي جو بايدن متوسطاً نظيره الكوري الجنوبي يون سوك يول ورئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا خلال قمة «كامب ديفيد» | الولايات المتحدة، 18 آب 2023

كانت الولايات المتحدة ملتزمة بتوسيع حلف الناتو وزيادة الشراكات الأمنية تدريجاً مع مناطق أساسية أخرى مخافة أن تتدهور علاقتها مع روسيا. بحلول العام 2015، أعلنت واشنطن التزامها بالدفاع عن 70 بلداً حول العالم، وهي بلدان تشمل مُجتمعةً أكثر من مليارَي نسمة و75% من الناتج الاقتصادي العالمي. ترسّخت هذه النزعة بكل وضوح بعد بدء الحرب في أوكرانيا، إذ تدعم واشنطن بقوة انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو وتُصرّ على الترحيب بأوكرانيا (وبلدان أخرى على الأرجح) في مرحلة مستقبلية معيّنة. كذلك، سعت إدارة جو بايدن إلى تعميق الحوار الأمني الرباعي (بين الولايات المتحدة، والهند، وأستراليا، واليابان) في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، ولعبت دور الوساطة لرفع مستوى التعاون الأمني بين أستراليا وبريطانيا العظمى عبر اتفاق «أوكوس» لتقاسم التكنولوجيا.

حتى أن الرئيس جو بايدن شارك في مصالحة كوريا الجنوبية واليابان خلال قمة «كامب ديفيد»، وخصص بايدن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن وقتاً طويلاً وجهوداً سياسية كبرى لإقناع المملكة العربية السعودية وإسرائيل بتطبيع علاقتهما الثنائية مقابل مجموعة غير محددة من المبادرات أو الضمانات الأمنية الأميركية. يجب ألا ننسى أيضاً مجريات قمّتَي الديمقراطية حيث حاول بايدن وبلينكن استمالة ديمقراطيات العالم وكبح المدّ الاستبدادي المتوسّع في آخر 17 سنة.

قد لا يجد البعض خطباً في محاولة جذب دول إضافية إلى المحور الأميركي، على اعتبار أن وفرة الأصدقاء عامل إيجابي. وفي ظل تصاعد المواقف العدائية من الجمهوريين والديمقراطيين ضد الصين، أليس منطقياً أن يحشد البلد أكبر عدد من الحلفاء؟ يحاول الرئيس الصيني شي جينبينغ أصلاً القيام بالمثل عبر «مبادرة الحزام والطريق». ألن تكون أي حملة طموحة لبناء التحالفات مفيدة للحد من النفوذ الصيني بدل ضخ أموال إضافية للبنتاغون بكل بساطة؟ كذلك، قد يظن الفريق الأكثر التزاماً بدعم النظام الليبرالي القائم على قواعد محددة أن إضافة أسماء جديدة إلى قائمة شركاء واشنطن وحلفائها تضمن التمسك بمسار تاريخي صائب. ما هي مشكلة هذه المقاربة إذاً؟

حين تواجه الدول القوية والمستقرة التهديدات التي تتعامل معها واشنطن، من المنطقي أن يبني البلد تحالفات معها. أنا شخصياً كتبتُ كتاباً كاملاً عن هذه الظاهرة، وقد أكون آخر من يعترض على هذا النوع من التحركات الرامية إلى الحفاظ على التوازن. حقّق حلف الناتو النجاح خلال الحرب الباردة لأن الأميركيين وحلفاءهم الأوروبيين كانوا ليستفيدوا من ردع المحاولات السوفياتية التي تهدف إلى السيطرة على أوروبا الغربية. كان المنطق نفسه وراء التحالفات الثنائية في آسيا أيضاً، رغم بعض الاضطرابات الداخلية البارزة، وهو السبب الذي يبرر تقوية تلك الترتيبات في الوقت الراهن. عندما يملك الحلفاء المحتملون قدرات عسكرية قوية وخاصة بهم، كتلك التي كانت بعض البلدان الأوروبية تملكها سابقاً، قد تصبح تلك الإمكانات قيمة مضافة للقوة الأميركية.

لكن حتى لو وحّدت الدول صفوفها استناداً إلى رؤية مشتركة للتهديدات المطروحة، تتوقف القيمة النهائية للشراكات جزئياً على موافقة الأعضاء على تطبيق استراتيجية مشتركة واستعدادهم لتقاسم الأعباء بالشكل المناسب. قد تزيد قوة التحالف عبر ضمّ أعضاء أكثر ضعفاً، وتتراجع فاعلية الشراكات القديمة إذا سمح بعض الأعضاء بتلاشي قدراتهم العسكرية. في هذه الظروف، ستضطر الحكومة الأميركية لتحمّل أعباء مفرطة، وستضعف قدرة الشراكات على تحقيق أهدافها المعلنة.

في عالم اليوم، تبدو الكيانات التي يسمّيها المسؤولون الأميركيون «تحالفات» أو «شراكات أمنية» أقرب إلى المحميات. في حالات كثيرة، وافقت الولايات المتحدة على الدفاع عن بلدان هشة وضعيفة تعجز عن بذل أي جهود لمساعدة واشنطن حتى لو رغبت في ذلك. قد تبقى هذه الترتيبات مفيدة إذا كان البلد المعنيّ يقع في منطقة جغرافية محورية أو إذا كان يسيطر على أصول قيّمة أخرى، لكن يُفترض أن يرتكز هذا القرار على ظروف كل بلد فردي ويتم تقييم كل ملف بطريقة موضوعية وصارمة.

تتعلق مشكلة أخرى في هذه المساعي المفرطة لعقد شراكات جديدة باحتمال ألا تتماشى أجندات الشركاء مع الأجندة الأميركية. كان هذا الجانب جزءاً من الأخطاء القاتلة في ترتيبات مثل حلف بغداد وحلف جنوب شرق آسيا. في هذه الحالات، ظن وزير الخارجية الأميركي السابق، جون فوستر دالاس، أنه يضمّ الشركاء إلى حملة مضادة للشيوعية، مع أن جزءاً من تلك الأنظمة لم يكن يعتبر الاتحاد السوفياتي تهديداً كبيراً عليه، وأرادت معظم تلك الدول أن تتلقى المساعدات الأميركية للتعامل مع مشاكل محلية، بما في ذلك منافسة الخصوم السياسيين داخلياً. تقع فيتنام مثلاً وسط جنوب شرق آسيا، ومع ذلك لم يكن حلف جنوب شرق آسيا مفيداً جداً خلال الحرب الأميركية الطويلة هناك. قد تفكّر واشنطن بالشؤون العالمية، لكنّ معظم حلفائها ينشغلون بمسائلهم المحلية، ما يجعلهم أقل استعداداً لدعم الأجندة الأميركية العامة، فيضطر المسؤولون الأميركيون للتعامل مع مسائل إقليمية معقدة ومستعصية.

يجب ألا ننسى المعضلة الأمنية المطروحة أيضاً. سواء كانت هذه المقاربة متعمدة أو غير مقصودة، قد تكون إضافة دول جديدة إلى الترتيبات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة كفيلة بإضعاف شعور الأمان لدى دول أخرى، فتردّ على ما يحصل بطرق خطيرة. كانت مخاوف الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر بشأن حلف بغداد كافية لدفعه إلى محاولة نيل الدعم من السوفيات، فبدأت بذلك منافسة بين القوى العظمى في الشرق الأوسط طوال عقدَين من الزمن. كذلك، كان توسيع حلف الناتو بدرجة غير محدودة كفيلاً بإثارة قلق نخبة الأمن القومي في روسيا، ما دفع موسكو في النهاية إلى اتخاذ تدابير صارمة متزايدة لمنع أوكرانيا من التقرب من الغرب. بدأت هذه الجهود بالاستيلاء على شبه جزيرة القرم بطريقة غير قانونية، ثم بلغت ذروتها عندما قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إطلاق غزو غير شرعي آخر لاحتلال بقية مناطق أوكرانيا. كذلك، يبدو أن الجهود الأميركية الرامية إلى تقوية تحالف مضاد لإيران في منطقة الخليج العربي شجّعت طهران على التقرب من الصين وروسيا واتخاذ تدابير أخرى لإضعاف النفوذ الأميركي في المنطقة. بعبارة أخرى، لن يضمن إعلان الالتزامات الأمنية الأميركية أو توسيعها الأمن أو الاستقرار إذا كان هذا الموقف يدفع الخصوم إلى اتخاذ خطوات خطيرة ما كانوا ليفكروا بها في الظروف العادية.

يحمل جانب سلبي آخر طابعاً أخلاقياً أو «نزعة متهورة» كما يقول مدير برنامج الدراسات الأمنية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، باري بوزين. إذا كان الحلفاء مقتنعين بأن واشنطن ستهبّ لإنقاذهم مهما فعلوا، سيصبحون أكثر ميلاً إلى أخذ مجازفات قد تُغرِق الولايات المتحدة في صراعات غير مبررة. لنفكر مثلاً بالحرب السعودية الكارثية في اليمن، أو إقدام جورجيا على افتعال اشتباك عسكري غير مدروس مع روسيا في العام 2008. لا تنطبق هذه المشكلة على جميع الحالات، لكنها جزء من الأسباب التي تدعونا إلى التنبه من الالتزامات المفتوحة والتفكير بمخاطر توسيع نطاق الحماية الأميركية للدول التي تحمل أجندات طموحة خاصة بها.

على صعيد آخر، يجازف توسيع التحالفات عشوائياً بزيادة احتمال خسارة المصداقية. غالباً ما يعتبر المتشددون الالتزامات الأميركية مترابطة جداً، فيصرّون على اعتبار الرد الأميركي في ظرف معيّنة أداة لتوجيه رسالة قوية حول طريقة تجاوب البلد مع ملف آخر. أصبحت القناعة المرتبطة بضرورة تنفيذ جميع الالتزامات خوفاً من انهيارها فجأةً راسخة في الخطاب الأميركي الاستراتيجي، وقد اتّضح ذلك في الدعوات البالية إلى التحرك العسكري المباشر، أو «نظرية الدومينو» التي تبدو خالدة رغم دحضها في ظروف متكررة، أو الخوف المبالغ فيه من انضمام الدول الأخرى إلى الخصوم عند التخلي عن أحد الالتزامات بدل أن تكثّف تلك البلدان جهودها للتصدي لخصومها. تظهر مفارقة خطيرة في هذا المجال: كلما توسّعت التزامات البلد، تزيد صعوبة تنفيذها، ما يشجّع القادة الأميركيين على القتال لتحقيق غايات بسيطة منعاً لزيادة التهديدات على المصالح الحيوية في أماكن أخرى.

يشارك جزء كبير من شركاء الولايات المتحدة في هذه اللعبة طبعاً، وهذا ما يفسّر تذمّرهم الدائم من تلاشي ثقتهم بالوعود الأميركية. ونظراً إلى هوس النخبة بمسألة المصداقية، قد تصبح هذه المقاربة أفضل طريقة لزيادة اتكال الدول الخارجية على الأميركيين وانتزاع وعود أو تنازلات جديدة من واشنطن. تذكّرنا هذه النزعة بأن أبسط توسّع للمظلة الأمنية الأميركية اليوم قد يتحول إلى التزام مقدّس ومتين مستقبلاً. لهذا السبب، يُفترض أن يفكر القادة الأميركيون، بما في ذلك الكونغرس، بجميع العواقب المحتملة عند تقييم أي التزام جديد، فيتساءلون أولاً: هل يستحق هذا الالتزام الكلفة النهائية المترتبة عنه؟

لا تعني هذه المعطيات أن تتخلى الولايات المتحدة عن حلفائها الحاليين أو تمتنع عن القيام بأي التزام جديد. لكنها تشدد على ضرورة التشكيك بالخطوات المرتقبة قبل اتخاذها، وأهمية توخي الحذر بما يفوق ما فعله صانعو السياسة الأميركية في السنة الماضية. يجب أن يفكر كبار المسؤولين والقادة في الكونغرس بتقييم المنافع الاستراتيجية لأي التزام جديد، ويقارنوها بالتكاليف والمخاطر المحتملة، ويتنبهوا الى الترتيبات التي تفيد الآخرين أكثر من الولايات المتحدة. لكن يُفترض أن يتجنبوا قبل كل شيء القيام بالتزامات لا تبدو جاذبة إلا إذا افترضنا أنها لن تتحقق يوماً. لا يمكن حصد أي منافع انطلاقاً من افتراض مسبق حول استحالة تنفيذ الالتزامات المرتقبة. إذا كنت لا تنوي القتال من أجل بلد خارجي اليوم، لا تتعهد بالقتال من أجله مستقبلاً!