أخطبوطات القطب الجنوبي تصمد بأبرد المحيطات من دون أن تتجمّد

4 دقائق للقراءة

تعيش أخطبوطات القطب الجنوبي في أبرد مياه في العالم، حيث تبلغ أعلى حرارة 10 درجات مئوية وتتراجع إلى درجتَين تحت الصفر. لطالما كان سبب نجاة هذه الكائنات ذات «الدم البارد» في ظروف متطرّفة لهذه الدرجة غامضاً.

تبيّن حديثاً أن أخطبوطات غريبة من فصيلة الباريليدون تستعمل قلوبها الثلاثة لضخّ نوع خاص من الدم الأزرق في أنحاء الجسم، فتُزوّد الأنسجة بالأكسجين في بيئات شديدة البرودة مثل القارة القطبية الجنوبية.

على غرار أجناس كثيرة أخرى تعيش في مياه دائمة التجمّد، يبدو أن هذا النوع من الأخطبوطات يحمل أنزيمات تتكيّف مع البرد. إنه الاستنتاج الذي توصّل إليه بحث أشرف عليه مختبر علوم الأحياء البحرية في الولايات المتحدة.

تضطلع هذه البروتينات بدور أساسي في مجموعة من التفاعلات البيوكيماوية. تتمتّع كائنات القطب الجنوبي بمرونة فريدة من نوعها، ما يسمح لها بالصمود رغم تراجع درجات الحرارة. في المقابل، تتباطأ الأنزيمات في الأخطبوطات الأكثر اعتدالاً بنسبة 25% عند مواجهة ظروف متطرّفة لهذه الدرجة.

تستطيع الأنزيمات القابلة للذوبان، كتلك التي تفكّك الأغذية في أمعائنا، أن تتكيّف بسهولة متزايدة مع مختلف درجات الحرارة نظراً إلى طبيعة التفاعلات التي تشارك فيها. لكن لا تتمتع جميع أنزيمات الجسم بالمستوى نفسه من المرونة. ينسحق بعضها داخل أغشية الخلايا، حيث تكون «ظروف عملها» أكثر صعوبة بكثير.

تنقل هذه «المضخّات» أو القنوات البروتينية أيونات مهمة إلى الخلايا وتُخرجها منها، ما يؤدي إلى إنتاج تدرّجات تسمح بانتشار الطاقة. لكن كيف تتكيّف هذه الأنزيمات بالذات مع البرد في القطب الجنوبي؟

قرّر باحثون من مختبر علوم الأحياء البحرية، وجامعة بورتو ريكو، والمعهد الوطني الأميركي للاضطرابات العصبية والجلطات الدماغية، استكشاف التفاصيل، فابتكروا نموذجَين: يرتكز النموذج الأول على أنزيم يضخّ الصوديوم والبوتاسيوم وهو موجود في أخطبوطات القطب الجنوبي (الباريليدون)، بينما يستند النموذج الثاني إلى المضخّة الموجودة لدى أجناس معتدلة مثل الأخطبوط ذي البقعتين.

رصد العلماء هذا الأنزيم لأنه يُصدّر ثلاثة أيونات صوديوم ويستورد أيونَي بوتاسيوم مقابل جزيئة واحدة من الأدينوسين ثلاثي الفوسفات الذي يُعتبر مصدراً لطاقة الخلية. يكون هذا التبادل أساسياً لاستثارة الخلية ونقل المواد المذابة.

يوضح الباحثون: «يُفترض أن يقع الاختيار على مضخّة الصوديوم والبوتاسيوم كي تنشط بفاعلية في بيئات حرارية مختلفة، نظراً إلى أهميتها المحورية».

كانت شكوك الباحثين صحيحة، فقد تحسّن أداء المضخّة في القطب الجنوبي على حرارة 1.8 درجة مئوية تحت الصفر وأصبحت أقل حساسية تجاه البرد. اختلفت الأحماض الأمينية التي تتشكّل منها مضخة القطب الجنوبي قليلاً عن تلك التي تحملها أجناس الأخطبوطات المعتدلة.

في المحصّلة، احتسب الباحثون 12 موقعاً في سلسلة الأحماض الأمينية في القطب الجنوبي حيث أوحت الظروف بأن طفرة تنقل ميزة مقاومة البرد.

من خلال إضافة تلك الطفرات إلى نموذج معيّن، واحدة تلو الأخرى، استنتج الباحثون أن ثلاث طفرات محدّدة تتعاون لتقوية مقاومة المضخّة للبرد. كذلك، كانت معظم تلك الطفرات تقع في الواجهة الفاصلة بين المضخّة وبقية أجزاء غشاء الخلية.

حملت طفرة في موقع L314V أكبر أثر على الإطلاق. تعطّلت المضخّة من دونها على درجات حرارة شبه متجمّدة.

يجب أن يحلّل الباحثون تفاصيل هذه الطفرة، لكن تفترض إحدى النظريات أنّ هذا الحمض الأميني المختلف يمنح فسحة إضافية للمضخّة داخل غشاء الخلية في هذا الموقع بالذات.

لم يتفاجأ عالِم الفيزياء الحيوية، ميغيل هولمغرين، من المعهد الوطني الأميركي للاضطرابات العصبية والجلطات الدماغية، من حصول هذا النوع من التكيّف في الواجهة الواقعة بين البروتين والغشاء، فاعتبر هذه العملية منطقية. يأمل الباحثون الآن في إجراء تجارب إضافية حول مضخّات البروتينات لدى أخطبوطات القطب الجنوبي لضمان استمرار عمل الخلايا حين تصبح درجات الحرارة شديدة البرودة.