شربل داغر

المخابرات.. المُرَبية التاريخية

دقيقتان للقراءة

أعتقد أن الكتابة عن المخابرات العربية - لمن يستطيع -، روايةً، أو سيرة، أو تحليلاً، ستكون من أغنى الكتابات، وأشدها وصفاً لما جرى منذ عهود الاستقلالات العربية. فهذه الأجهزة صنعت السياسات، والرؤساء، والجماهير، والأحزاب، والإعلام، والنقابات، والمثقفين... حتى ان تأثيراتها بلغت المطرودين من بلادهم في المنافي.

كما كانت الأجهزة الأشد تعاملاً واستفادة من التكنولوجيات الحديثة، بما فيها "الجيوش الالكترونية" حالياً...

بعض هذه الأخبار يصلنا في شهادات، في سِيَر، في فيديوات مُسرّبة بالطبع، بعد سقوط هذا الديكتاتور، أو ذاك... يصلنا بعد "انتحار" سعاد حسني، أو "العنف الجنسي" لمعمر القذافي، أو اخبار وفيديوات أقبية التعذيب و"فنونه" في سجن صيدنايا...

يصلنا، ونسمعه ايضاً، خلف خطاب الممانعة، إذ إن جرائم مثل هذه لا تخفي ولا تعلي من كرامة أحد، أو قضية، ولا تجعلهم "أشرف الشرفاء"...

هذا ما نقرأ بعضه، في روايات، أو قصص قصيرة، في أدب السجون، أو في أدب المنافي.

ولو جرى حسبان ما فعلتْه المخابرات في رصدها العدو، وما فعلتْه في شعوبها، لأمكن الوصول إلى الناتج السلبي المتراكم في الحياة العربية، وخصوصاً إلى "تشوهات" العربي نفسها. لقد بلغ تأثير هذه الاجهزة العنيف مجال الكلام طبعاً، والكتابة، ما يدخل في الكبت المتعاظم للعديدين في صمت بيوتهم، وصمت صدورهم... هذا مدعاة الى القول: إن قسماً فاعلاً مما يشكل الحياة، والمجتمع، والكتابة، يبقى من دون كتابة.

أما ما صمدَ، ونما في وجه المخابرات، في المقام الأول، فلم يكن الدين نفسه، كما قد يظن البعض، بل الفكر المؤامراتي (الذي هو نتيجة عن الثقافة الاستخباراتية المبثوثة)، والفكر العجائبي والسحري في الدين. أين المواطن في هذا كله؟ السُبلُ ضاقت، وتزداد ضيقاً...