فيما تقصف إسرائيل قطاع غزة رداً على اعتداءات «حماس» القاتلة في عطلة نهاية الأسبوع، توجّهت الأنظار نحو الردود المحتملة على إيران، لا سيما بعدما كشفت الجماعة الفلسطينية المسلّحة أنها تلقّت الدعم من إيران لتنفيذ الاعتداءات الأخيرة ولام الرئيس الإسرائيلي طهران مباشرةً.
تذكر صحيفة «وول ستريت جورنال» أن تفاصيل العملية تحددت وخضعت للتعديلات خلال اجتماعات عدة في بيروت حضرها ضباط من الحرس الثوري الإيراني وممثلون عن أربع جماعات مسلّحة مدعومة من إيران، بما في ذلك «حماس». في غضون ذلك، تلقّت قناة «بي بي سي» تأكيداً على تورط إيران من المتحدث باسم «حماس»، غازي حمد. في هذا السياق، كتبت الصحافية دانيال بليكتا في صحيفة «فورين بوليسي»، في عطلة نهاية الأسبوع، أن جزءاً من دعم إيران وتوصياتها الاستراتيجية أصبح واضحاً منذ أكثر من سنة. إذا قرر «حزب الله» المدعوم من إيران الانضمام إلى الأعمال العدائية، سيصبح الرد الإسرائيلي على إيران أقرب إلى الواقع.
لكنّ معاقبة إيران قد لا تكون مهمّة سهلة بقدر ما يظن الكثيرون. خلال السنوات القليلة الماضية، بدأ جيش الجمهورية الإسلامية يضايق السفن الدولية في مضيق هرمز الواقع بين إيران وسلطنة عمان، وقد يقرر تكثيف تلك النشاطات سريعاً، ما يؤدي إلى زيادة اضطرابات العالم لأن 30% من عمليات نقل إمدادات النفط تمرّ بذلك المضيق.

يربط هذا الممر المائي الضيق بين الخليج العربي وخليج عمان، وهو يشمل ممرَين للشحن ويبلغ عرض كل ممر منهما ميلَين بحريَين. إنه ممر أساسي أيضاً للشحن الدولي، لا سيما في قطاع النفط. يبقى هذا المضيق إذاً أهم نقطة اختناق للنفط في العالم.
بدأت إيران تستفيد من اتكال العالم على مضيق هرمز، لا سيما في آخر أربع سنوات، لإثبات قوتها. صادر الحرس الثوري الإيراني منذ أربع سنوات ناقلة النفط «ستينا إمبيرو» التي تملكها السويد وكانت ترفع العلم البريطاني أثناء إبحارها في المضيق. وفي الفترة نفسها تقريباً، تضررت أربع سفن تجارية أخرى خلال «اعتداءات تخريبية» يعتبرها الكثيرون من تنفيذ إيران. وفي العام 2021، صادرت القوات الإيرانية ناقلة كورية جنوبية، وحاولت في تموز الماضي مصادرة ناقلتَين أخريين. وفق مصادر وزارة الدفاع الأميركية، هاجمت إيران في آخر سنتين حوالى 20 سفينة تجارية أو صادرتها.
في شهر آب الماضي، دفع هذا الوضع الخطير بالبنتاغون إلى إرسال حوالى 3 آلاف بحّار وعنصر من مشاة البحرية الأميركية (إلى جانب سفينة هجومية برمائية قد تحمل أكثر من 24 طائرة وسفينة إنزال). كذلك، رافقت مبادرة «الوعي البحري الأوروبي في مضيق هرمز» التي أطلقتها ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وعدد صغير من الدول الأوروبية الأخرى، 162 سفينة تجارية هذه السنة، منها 124 منذ شهر حزيران الماضي.
من المتوقع أن تصبح السفن التي اعتادت على المرور بمضيق هرمز المؤشر الأكثر وضوحاً على التصعيد الذي تفرضه إيران: إذا توقعت شركات التأمين وقوع هذا النوع من أعمال العنف، سيضطر أصحاب السفن لتغيير مسار سفنهم وتوجيهها نحو رحلات بديلة وطويلة، ما يؤدي إلى زيادة الاضطرابات وارتفاع الأسعار في سوق النفط. يقول كورماك ماكغيري، محلل بحري في شركة Control Risks: «لا أظن أن إغلاق مضيق هرمز يصبّ في مصلحة إيران. ومع ذلك، يتوخى أصحاب السفن أعلى درجات الحذر. يريد بعضهم الانسحاب بالكامل إذا تعرضت سفينة أخرى للهجوم».
بدأت محاولات إرساء النظام في مضيق هرمز تزيد الظروف المتقلبة. في أواخر الشهر الماضي، وجّهت قوات الحرس الثوري الإيراني جهاز ليزر نحو طيارين في مروحيات هجومية عيّنتهم القوات الأميركية في المضيق عندما كانت المروحيات تحلّق في الجو. أي تحرّك تقوم به القوات الأميركية لحراسة السفن التجارية وحمايتها من المضايقات الإيرانية سيدفع القوات الإيرانية إلى الرد، ما قد يجعل الصراع المسلّح أمراً واقعاً.
يقول أندرو لويس، نائب أميرال متقاعد في البحرية الأميركية: «أصبح وضع الشحن في مضيق هرمز متوتراً جداً منذ فترة. نحن مهّدنا لنشوء هذا الوضع.
لقد سمحنا للفرع البحري من الحرس الثوري الإيراني بمضايقة السفن وتنفيذ التدريبات في جوار خط المرور وتركناه يستعرض الأسلحة بالقرب من حاملة طائرات. قد لا يتمكنون من إحداث أضرار كبرى في حاملات الطائرات، لكنهم يستطيعون قتل الناس».
إذا نشأ صراع مباشر بين إسرائيل وإيران، قد يصبح مضيق هرمز شديد الخطورة في مجال الشحن الدولي. يوضح ماكغيري: «ستصبح أي عملية شحن على صلة بإسرائيل مكشوفة أكثر من غيرها. إذا ردّت إسرائيل على إيران، بغض النظر عن مسار العمليات، ثم هاجمت إيران سفن الشحن التابعة لإسرائيل في مضيق هرمز، سيكون الرد أقوى من اعتداءات إيران الاعتيادية على سفن الشحن في المضيق».
هذا الوضع جعل شركات التأمين وأصحاب السفن وطواقمها في حالة تأهب قصوى، ما يعني أن شركات التأمين يجب أن تُحدد مدى استعدادها لتحمّل المجازفات التي ترافق تنقّل السفن في تلك المساحة. تعليقاً على الموضوع، يقول نيل روبرتس، سكرتير «اللجنة الحربية المشتركة» (شركة تأمين في لندن تقيّم مستويات المخاطر المطروحة على عمليات الشحن الدولي): «بما أن عمليات النقل عبر مضيق هرمز يُفترض أن تتحدد مسبقاً، يستطيع المعنيون أن يردوا على أي تطورات سريعاً».
ستتصاعد الاضطرابات المحتملة أيضاً لأن الولايات المتحدة بدأت تنشر مجموعة هجومية في شرق البحر الأبيض المتوسط، بالقرب من إسرائيل، وغزة، وقناة السويس. يوضح روبرتس: «ستؤثر الاحتمالات التي ترافق أي تدابير تصعيدية أخرى على تقييم المخاطر التي يواجهها أصحاب السفن وشركات التأمين في آن».
بما أن السفن التجارية تملك حق التنقل في المياه الإقليمية التابعة لبلدان أخرى، ستنتهك إيران القواعد البحرية الدولية إذا حاولت منع الناقلات وسفن مدنية أخرى من المرور في مضيق هرمز. لكن بما أن نصف المضيق يقع في مياه إيران الإقليمية، يحق للقوات الإيرانية أن تتواجد في الجزء التابع لها أيضاً، ويمكنها أن تردّ على أي اعتداء ضدها عبر استهداف عمليات الشحن.
تتعلق المسألة الأساسية بتحديد السفن المستهدفة وعددها وطريقة استهدافها. من المتوقع أن تحاول القوات الأميركية إخماد أي تصعيد محتمل. يقول لويس: «لقد وضعنا خططاً مسبقة للرد على الفِرَق الأمنية المتنقلة بحراً (في إشارة إلى القوات الناشطة راهناً على متن السفن التجارية كجزءٍ من انتشار البحرية الأميركية في المضيق)، ولن تتغير تلك الردود بسبب الصراع بين إسرائيل وحركة «حماس». مع ذلك، قد لا تستخدم الفِرَق تلك الردود إذا تلقّت تعليمات تدعوها إلى ضبط النفس».
لكن يضيف لويس محذراً: «الإيرانيون لا يتبعون الجدول الزمني نفسه، وقد لا يكون ردّهم [على أي اعتداءات إسرائيلية] فورياً».
قد تبدو المخاوف المرتبطة بناقلات النفط في مضيق هرمز سخيفة عند مقارنتها بمقتل مئات الإسرائيليين والفلسطينيين خلال بضعة أيام. لكن بما أن العالم لا يزال يتكل على النفط لتأمين 31% من مصادر طاقته، قد يؤدي أي اضطراب في المضيق إلى تداعيات فورية. في غضون ذلك، تبقى شركات الشحن، وقباطنة السفن، وشركات التأمين، وحتى المستهلكين، مجرّد دمى بيد القوى الإقليمية التي تقرر تحركاتهم المقبلة.