رواد مسلم

"التهجير مقابل التهجير" لن تنجح إلاّ بضرب القواعد الجوية

4 دقائق للقراءة
خلال إطلاق صواريخ من رفح في اتجاه إسرائيل الأربعاء الماضي (أ ف ب)

فرضت المقاومة الفلسطينية في غزة باسم حركة «حماس» معادلة «التهجير مقابل التهجير»، وذلك من خلال ضرب المستوطنات الإسرائيلية في «غلاف غزة»، فضلاً عن ضرب الأهداف الإستراتيجية بواسطة صواريخ بعيدة المدى، كمطار بن غوريون ومدينة حيفا التي تبعد 160 كلم عن القطاع، ردّاً على الغارات الجوية الإسرائيلية المدمّرة للمنازل والمستشفيات الفلسطينية في غزة. وتتسبّب إسرائيل بالتهجير القسري الذي أعلنت نيّتها تنفيذه من خلال إعلام الأمم المتحدة بوجوب أن ينتقل جميع سكّان شمال قطاع غزة، البالغ عددهم 1.1 مليون نسمة، إلى جنوب القطاع خلال 24 ساعة، متخطيةً القانون الدولي الإنساني بشكل فاضح بقتل المدنيين وضرب الأعيان المدنية والثقافية، لترقى أفعال الجيش الإسرائيلي إلى مستوى «جرائم حرب».

من وجهة نظر عسكرية، هذه المعادلة لن تُحقّق التكافؤ، إذ إنّ الكثافة السكانية في الغلاف أدنى بكثير منها في القطاع، حيث يعيش 2.2 مليون نسمة ضمن 360 كلم مربّعاً، فضلاً عن عدد الملاجئ الكبير في الغلاف والذي يعتبر توفّرها معدوماً داخل القطاع، والمنازل في الغلاف تعتبر متباعدة، لذلك لن تكون هناك أضرار جانبية، خصوصاً أنّ قدرة صواريخ المقاومة ليست تهديمية مقارنةً بالقنابل الضخمة التي تستخدمها مقاتلات العدو على المنازل المتقاربة جدّاً في القطاع، مثل القنبلة الإرتجاجية الأميركية الصنع «جي بي يو 72» الموجّهة، التي يمكنها اختراق 30 متراً داخل الأرض أو 6 أمتار في الباطون المسلّح، ومن بعدها تنفجر لتحدث هزّة داخل الأرض أو داخل المباني الضخمة. وهي تستخدم بشكل كثيف لضرب منازل المدنيين والمستشفيات، فضلاً عن استخدامها لضرب المواقع المحتملة لأنفاق المقاومة تحت الأرض.

لموازنة القدرات وردع العدو، تعمل «حماس» على ضرب الأهداف الاستراتيجية في العمق، كما تعمل على الاستفادة من الثغرات التقنية للقبة الحديدية لإصابة أهدافها. فالجيش الإسرائيلي يملك 10 بطاريات لنظام القبة الحديدية موزّعة على كامل الجغرافيا الإسرائيلية، وهي بحاجة إلى 15 ثانية لاعتراض الصاروخ الذي يتبيّن حسب مساره أنّه سيسقط داخل الأراضي الإسرائيلية المأهولة. لذلك، عملت «حماس» إمّا على ضرب الأهداف بصواريخ سريعة تدخل في مجال مراقبة رادارات القبة الحديدية وتصيب هدفها بأقلّ من 15 ثانية، وإمّا إطلاق أعداد هائلة من الصواريخ تفوق قدرة بطاريات القبة الحديدية (تشتمل البطارية على 3 إلى 4 قاذفات، ويُمكن لكلّ قاذفة أن تحمل نحو 20 صاروخاً اعتراضيّاً).

على الرغم من عدم تكافؤ القدرات القتالية لدى الطرفين، إلّا أنّ كسر إرادة القتال لدى عناصر الجيش الإسرائيلي من أهمّ أهداف «حماس»، فصواريخ المقاومة التي تفرض من خلالها معادلة «التهجير مقابل التهجير»، هدفها سياسي - إجتماعي أكثر من هدف التدمير والحسم العسكري، إذ إنها تهدف من خلال قصف مطار بن غوريون المدني، الى زيادة الضغط على البيئة الاجتماعية لدفعهم إلى النزوح والهجرة وزيادة الرعب ومعارضة الحكومة المتشدّدة. كما أنها تضرب مراكز الثقل الاستراتيجية مثل ضرب مدينة حيفا بصاروخ «آر 160» للتأثير على مركز الاقتصاد والتجارة، علماً أن ترسانة «حماس» الصاروخية تتضمّن صواريخ بعيدة المدى تصل مع صاروخ «عياش» إلى 220 كلم، أي يُمكن أن تطال أي موقع على الأراضي الإسرائيلية، فضلاً عن امتلاكها أعداداً هائلة من الصواريخ يُمكن أن تصل إلى 50 ألف صاروخ، حسب تقرير لـ»نيويورك تايمز». لذلك، ليس من المستبعد إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ البعيدة المدى لتتفوّق على قدرة القبة الحديدية، وضرب المرافئ التجارية والبنية التحتية الاقتصادية للكيان الإسرائيلي للتأثير السلبي البعيد المدى.

على المُخطّط العسكري للمقاومة الفلسطينية إعادة النظر بطريقة اختيار الأهداف، فضرب المطار المدني أو مدينة حيفا والمستوطنات أو أي نقطة على الأراضي الإسرائيلية لا توازي ضرب القواعد الجوّية والمطارات العسكرية التي يبلغ عددها 20 مطاراً عسكريّاً، كلّها ضمن مدى صواريخ «حماس». فسلاح الجوّ الإسرائيلي يعتبر مركز ثقل استراتيجي، وبمجرّد تعطيل إمكانية إقلاع المقاتلات سيتوقّف التدمير تلقائيّاً في غزة، حتّى أنّ الغزو البرّي المحتمل سيخرج من حسابات المخطّط العسكري الإسرائيلي، لفقدان الحماية الجويّة للمدرّعات التي ستقوم بالعملية البرّية، وبالتالي سيكون التفاوض المسار الوحيد أمام الإسرائيلي، أو الإستغاثة قبل الزوال الكلّي للكيان بحاملة الطائرات الأميركية «يو أس أس جيرالد فورد» التي وصلت قبالة السواحل الفلسطينية وهي تحمل قرابة 70 مقاتلة من «أف 18» (هورنت وغرولر) و»أف 35»، فضلاً عن الطوافات القتالية «أم اتش 60»، وحاملة الطائرات «يو أس أس دوايت دي أيزنهاور» التي انطلقت من ميناء نورفولك في ولاية فيرجينيا، وتبحر إلى البحر الأبيض المتوسط.